|   

النسخة: الورقية - دولي

في البيان الذي ألقته الحكومة المصرية أمام البرلمان عن موازنة السنة المالية 2017-2018، بلغ الدَين العام 3,6 تريليون جنيه أو ما يعادل 90 في المئة تقريباً من إجمالي الناتج المحلي. وبلغ نصيب الدَين الخارجي نحو 472 بليون جنيه. وشكلت أعباء الدَين (خدمة الدَين إضافة إلى أصله والمتوجب دفعها خلال فترة الموازنة)، البند الأكبر على الإطلاق من مجموع الإنفاق بقيمة إجمالية بلغت 381 بليون جنيه أو ثلث الإنفاق الحكومي.

وبمقارنة ما آل إليه وضع الدَين العام حالياً مع وضعه قبل الثورة في 2011، يبدو أنه ارتفع من 970 بليون جنيه في 2011 إلى 1,5 تريليون في 2013 و1,8 تريليون في 2014 وقفز في 2015 إلى أكثر من تريليونين وكسر حاجز الـ3 تريليونات في 2016 و2017، بينما حددته موازنة 2018 بـ3,6 تريليون جنيه. وبذلك تبلغ نسبة الزيادة بين 2011 و2018، 260 في المئة مقابل 100 في المئة بين 2014 و2018.

يبدو من هذه الزيادات الكبيرة وغير المسبوقة، أن الاقتراض تحول إلى سلوك حكومي ووسيلة سهلة لتمويل العجز في الإيرادات واستمرار ارتفاع النفقات. وهو أمر مخالف تماماً لمضمون الإصلاحات الاقتصادية التي تعهدت بها مصر، والتي على أساسها مُنحت أعلى قرض قدمه صندوق النقد الدولي لدولة شرق أوسطية حتى الآن. كما أن عواقبه قد تكون وخيمة ما لم تُتخذ السياسات الملائمة التي توقف هذا النزف، خصوصاً أن معدلات الاقتراض الخارجي زادت هي الأخرى في شكل غير مسبوق. فخلال النصف الأول من السنة المالية 2017/2016، ارتفع حجم الدَين الخارجي 41 في المئة مقارنة بالعام السابق. ومنذ تحرير سعر صرف الجنيه في تشرين الثاني (نوفمبر) حتى الخامس والعشرين من تموز (يوليو) الماضي، بلغ اكتتاب الأجانب بأذونات الخزينة نحو 13 بليون دولار بعائد سنوي يبلغ 22 في المئة، وهو بين الأعلى في العالم.

وطبقاً لمعلومات أصدرها البنك المركزي المصري، بلغ حجم الدَين العام الخارجي 79 بليون دولار في 2017، مقابل 55,7 بليون في 2016 و48,1 بليون في 2015. ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يصل حجم الديون الخارجية لمصر إلى 102,4 بليوني دولار في العام المالي 2021/2020، أي أكثر من 25 في المئة من مجموع إجمالي الناتج المحلي، وهي السنة التي يتوقع أن تبدأ فيها مصر بقطف ثمار الإصلاح الاقتصادي.

لا يخفي بعض المراقبين للشأن الاقتصادي المصري قلقهم من الزيادات القياسية في الديون الداخلية والخارجية وتبعاتها، في وقت يرى المسؤولون المعنيون أن مصر ما زالت في منطقة الأمان عند مقارنة الدَين الخارجي بإجمالي الناتج المحلي. كما يستشهدون بثناء بعض المنظمات الدولية على حسن أداء الاقتصاد المصري. لكن الشواهد السابقة أثبتت أن هذا الثناء لا يعني شيئاً عندما يضطر البلد المعني إلى مواجهة الحقيقة وحده، كما حصل في تونس واليونان. فالأولى كانت يعتبرها بعض المنظمات الدولية نموذجاً للإصلاح الاقتصادي الناجح حتى جاءت الثورة في 2011 وكشفت عن حجم السخط الشعبي على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية السائدة. أما اليونان فكانت غارقة في كم هائل من الديون من دون أن يلفت أحد، بما فيها الاتحاد الأوروبي نفسه، انتباهها إلى خطورة الأمر. وإنما على العكس كانت تعتبر نموذجاً للأداء الاقتصادي الناجح من قبل بعض المنظمات الدولية، حتى جاءت الأزمة المالية العالمية في 2008 وكشفت حجم مآزق الديون الذي كانت تعيشه. ولا تزال اليونان حتى اليوم تدفع ثمن تبعات تلك الديون تقشفاً وبطالة وعدم استقرار اقتصادي واجتماعي.

إن الاعتماد المتزايد على الاستدانة لغرض تكوين احتياط أجنبي يبين أن الاقتصاد قد تعافى وبدأ يحصد ثمار الإصلاحات الاقتصادية، وكذلك الاستدانه للإنفاق على مشاريع تنموية ضخمة، ستكون له عواقب كبيرة على اقتصاد مصر وشعبها، الذي سيتحمل في المستقبل تبعات سداد هذه الديون وخدمتها في وقت يعيش حوالى 50 في المئة منه على خط الفقر أو دونه.

إن الاعتماد على الدَين لا يبني وطناً، والاقتراض يجب ألا يصبح سلوكاً اقتصادياً بل إجراء موقتاً ويقترن بإعطاء أولوية لزيادة التشغيل والإنتاج وترشيد الإنفاق، وتجنب الهدر والفساد والاهتمام بتشغيل المشاريع المتوقفة وتأجيل المشاريع الضخمة التي تستنفد الأموال ولا تعطي نتائج ملموسة، وجذب الاستثمارات الأجنبية للقطاعات الأكثر قدرة على زيادة حجم التشغيل والإنتاج، وزيادة الصادرات من السلع والخدمات لأنها هي التي ستضع الاقتصاد المصري على سكة الإصلاح الحقيقي.

كما تحتاج السياسة النقدية التي يطبقها البنك المركزي إلى إعادة النظر في بعض جوانبها. ففي وقت اكتتب فيه الأجانب بـ13 بليون دولار من أذونات الخزينة المصرية منذ تعويم الجنيه في تشرين الثاني الماضي وحتى الخامس والعشرين من تموز الماضي بفائدة 22 في المئة، تصدر البنوك المصرية فوائض العملات الأجنبية لديها إلى الخارج، وقد بلغت 8,9 بليون دولار خلال الفترة ذاتها. ألم يكن من الأولى أن تشتري البنوك المحلية أذونات الخزينة بما لديها من فوائض بدلاً من اقتراض الحكومة من الخارج بفائدة 22 في المئة؟ كما أن البنك المركزي الذي رفع أخيراً نسبة الاحتياط القانوني من 10 في المئة إلى 14 كوسيلة للحد من التضخم بدلاً من رفع سعر الفائدة مجدداً، كان من الأفضل أن يطلب من هذه البنوك زيادة حيازتها من الديون الحكومية بما لديها من فائض سيولة بدلاً من أن يضطرها إلى رفع الفائدة على القروض التي تقدمها للقطاع الخاص، خصوصاً القروض الإنتاجية نتيجة لرفع نسبة الاحتياط.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة