|   

النسخة: الورقية - سعودي

نقد المجالس الإدارية والعلمية

- في المادة السابعة نص على إنشاء مجلس شؤون الجامعات مرتبط برئيس مجلس الوزراء، من مهماته - كما في المادة التاسعة - رسم سياسات التعليم الجامعي واستراتيجياته واتجاهاته العامة، وتشكيل مجالس الأمناء، والموافقة على تعيين وكلاء الجامعات، ووضع الأنظمة الجامعية، ومراقبة أداء الجامعات...

وهذا قد يلغي فعالية الاستقلال الجامعي الوارد في المادة الرابعة، كما يلحظ أنه في كثير من مواد تعيين أعضاء المجلس تم ربط التعيين بقرار من رئيس مجلس الوزراء، وهذا يضيف أعباء إدارية، كان حريّاً بالنظام الجديد تلافيها؛ لئلا تنشغل الحكومة بأعمال يمكن أن يتولاها وزير التعليم أو المجالس المعنية. وبنظرة فاحصة نجد أن بعض مواد النظام لا تتوافق مع بعض، ففي المادة السابعة مثلاً لم ينص على من يرشح ممثل هيئة تقويم التعليم في مجلس شؤون الجامعات، في حين أنه في المادة الـ13 نص على من يرشح ممثل أمانة مجلس شؤون الجامعات. وهذا التفاوت يدل على عدم صياغته بكفاءة قانونية.

- نصت المادتان الـ15 والـ16 على عضوية ثلاثة من القطاع الخاص من ذوي الاهتمام بالتعليم في مجالس أمناء الجامعات، والجامعات التطبيقية. ولا يوجد مسوغ لدمج القطاع الخاص في مجالس الأمناء إلا إذا كان من الجامعات الأهلية لتقاربها مع الجامعات الجديدة.

- المادة الـ16 الفقرة التاسعة نصت على أن «عمداء الكليات والمعاهد ورؤساء الأقسام بالتعيين»، والمادة الـ30 تنص على تعيين مدير الجامعة. وهذا يعني أن نظام الانتخاب لن يدخل الجامعات، في حين أنه هو النظام المعمول به في بعض الجامعات عند تأسيسها، وقد يكون من المناسب تحفيز العمل الأكاديمي بدعم نظام الانتخاب.

- ظل المجلس العلمي على ارتباطه بوكيل الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي، وتم التعبير عنه في النظام بـ«وكيل الجامعة المختص»، ومنحه حق ترشيح أمين المجلس العلمي، في حين يفترض في النظام الجديد أن يكون المجلس العلمي مستقلاً تماماً عن أي تبعية إدارية، بل يكون رئيسه وأعضاؤه وأمينه بالانتخاب المطلق للجميع؛ لأن الترقيات والتعيينات تحتاج للحياد، وخصوصاً بعد أن صار التعامل مع عضو هيئة التدريس تعييناً وتجديداً للتعاقد السنوي من صلاحيات كل جامعة، وسيترتب على قرار المجلس العلمي استبعاد عدد من أعضاء هيئة التدريس، فلا يصح أن يكون القرار متأثراً برأي مدير الجامعة أو وكلائه.

- نص النظام على أن مدد بعض أعضاء مجلسي «شؤون الجامعات» و«أمناء الجامعات» ثلاث سنوات قابلة للتجديد، ومدد بعض أعضاء مجلس الجامعة سنتان قابلة للتجديد. ومن المهم تقييد التجديد بدورتين أو ثلاث دورات كحد أقصى، لضمان التنافسية والتجديد.

 

الحوكمة والشفافية

- كرر النظام مبادئ الرقابة البيروقراطية القديمة، ولم يتضمن النظام الجديد مواد تضمن الرقابة الفعالة، على رغم تأكيد برنامج التحول الوطني ورؤية 2030 على الحوكمة والشفافية بشكلها الفعال، بما يضمن التشريع والتحفيز والرقابة. وجميع المواد المتعلقة بالرقابة على الجامعات منقولة من النظام القديم؛ مع أن الاعتماد على الجهات الرقابية التي تراقب الجهات الحكومية حالياً لا يتناسب مع اتجاه الدولة إلى تغيير نظام الجامعات.

- لم يتعرض مشروع النظام الجديد للطالب بشكلٍ كافٍ، وهو يمثل محور العملية التعليمية وأساس نشأة الجامعات، لاسيما ما يضمن تحصيله العلمي المتجدد، ودعم الابتكار والإبداع، وعدم وقوع الظلم عليه. وهذه تعد من أهم أزمات التعليم الجامعي التي لم تحل بجدية، ويلحظ أن واقع إنصاف الطالب يتم بطرق بدائية تتمثل في تشكيل لجنة من القسم، أو من الكلية للنظر في دعواه، وغالباً ما تنحاز لـ«الأستاذ»، ولا ينظر ديوان المظالم في دعوى الطالب إلا بحدود تطبيق النظام المعمول به في الجامعة.

- لم يتضمن النظام الجديد مفهوم المسؤولية الاجتماعية، وعلاقة الجامعة بالمجتمع، وهذا من أهم مهمات الجامعات في العصر الحديث، وسبق أن عقدت وزارة التعليم العالي مؤتمراً عن الوظيفة الثالثة للجامعات، وأصدرت كتاباً بالعنوان نفسه عام 1435، عززت فيه مفهوم علاقة الجامعة بالمجتمع، إضافة إلى وظيفتي «التعليم» و«البحث». فعدم الإشارة إليه يدل على عدم الاستفادة من أي توصيات سابقة.

- لم يتعرض مشروع النظام الجديد إلى إيجاد لائحة تحد من ظاهرة «السرقات العلمية» التي يقع فيها بعض أساتذة الجامعات، وقد يكون ذلك من تأثير النظام القديم، إذ لا يوجد حتى الآن أي نظام ولا مادة من نظام تنص صراحة على تجريم السرقات العلمية، على رغم ازدياد هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة، ووصول بعضها إلى الإعلام.

- تضمن النظام الجديد عبارات تقليدية قديمة لا معنى لها اليوم، مثل: «من ذوي الخبرة والكفاية»، «اقتراح ما يراه»، «التنسيق اللازم». والأولى تحديث الصياغة القانونية، وتحديد المراد بعبارات يمكن قياسها.

 

المخاطر المحتملة

- النظام الجديد يمنح الجامعات الحق في التعيين والتوظيف بنظام التعاقد، وهذا يهدد بتسريح آلاف الأكاديميين وموظفي الجامعات، وهذا اتجاه مهم يتوافق مع مشروع الإصلاح الاقتصادي والإداري، إذ سيضمن العدالة والشفافية، ويتيح التمايز بين الأكاديميين والموظفين، ولكن ومن المرجح أن يساء استخدامه كما حصل مع سوء استغلال المادة (77) في نظام العمل والعمال، الذي أسهم في زيادة الفصل التعسفي للسعوديين. لذا، من المهم وضع معايير دقيقة لضمان عدالة التنفيذ.

- ينطوي استقلال الجامعات بـ«مجلس أمناء» على مخاطر أمنية وفكرية، من خلال إتاحة الفرصة لنشر الأفكار الآيديولوجية أو الطائفية المناهضة لاتجاه الدولة، مما يتيح المجال واسعاً لسيادة «المنهج الخفي»، واختطاف الشبان والشابات في حزبيات وتنظيمات مناهضة.

- مما يؤسف له في النظام الجديد أنه سينطلق من بيئة جامعية لا تدعو للتفاؤل بنجاح تطبيق هذا النظام، ذلك أن تاريخ الجامعات يشهد على انتشار الضعف الإداري والمالي، وقلة الكفاءات المؤهلة، وقد أثبتت هذه عدم قدرة معظم الجامعات على تحمل مسؤوليات جادة، وقد اتضح ذلك من نتائج أهم ثلاثة مشروعات نفذتها وزارة التعليم العالي مع الجامعات خلال 10 سنوات (2005-2015)، وهي: الجامعات الناشئة والجامعات والكليات الأهلية والماجستير الموازي، كما أن زمن الصحوة اجتاح جميع الجامعات باستثناء معهد الإدارة وبعض الكليات التي لا تشرف عليها وزارة التعليم، وحولتها إلى منصات «مؤدلجة».

- يمثل الاتجاه نحو مجانية التعليم الجامعي للطلاب السعوديين مقابل إلغاء المكافآت الطلابية محاذير ينبغي التنبه لها، خصوصاً في انعكاسها على الطلاب من ذوي الطبقة الوسطى الهشة، كما يتطلب مراجعة وضع «صندوق التعليم العالي» الذي يمتلك موازنة كبيرة من استثمارات عائد مكافآت الطلاب ولم تتم الاستفادة منه كما ينبغي.

 

ماذا نريد من الجامعات؟

سأقدم عدداً من المقترحات والبدائل التي أراها ملائمة في ما يخص مشروع النظام الجديد، بما يمكن أن يحفز الجامعات لتحقيق أهدافها العليا، وذلك كما يأتي:

- مراجعة النظام على أسس تحقيق الأهداف العليا للدولة، المتمثلة في نقل المعرفة وإنتاجها، وتحسين المخرجات بما يحصن المجتمع في التغيرات العالمية، وبما يقوي الاقتصاد، ويعزز الأخلاق، وينمي حس الانتماء الوطني، وتأهيل الأساتذة لتكون الجامعات منجماً في تزويد الحكومة والشركات بالعلماء والقيادات والكفاءات.

- تحديد جميع اللوائح الجديدة، وإضافة اللوائح المهمة لضمان جودة مخرجات التعليم الجامعي والعالي، وتحديد مدة زمنية لإنجازها، بوصفها النظام التنفيذي المهيمن على تسيير أمور الجامعات، ويفترض مع التحول الذي تقوده الدولة ألا يصدر النظام إلا ومعه اللوائح التنفيذية له؛ لنتلافى سلبيات الفترات الانتقالية.

- تعديل جميع الفقرات التي تنص على تحديد الجهات الإشرافية والرقابية، واستبدالها بفقرات ومواد ذات فعالية مباشرة، والنص على لوائح تحدد آليات المراقبة والمحاسبة تعليمياً ومالياً وإدارياً.

- من المهم أن ينص النظام الجديد على تجديد المقررات الجامعية كل خمس سنوات في الكليات الاجتماعية والشرعية والإنسانية، وتجديدها كل سنتين في الكليات الطبية والعلمية، ووضع اللائحة التنفيذية لها.

- من المهم تعديل ما يخص تقسيم الجامعات إلى «تعليمية» و«تطبيقية» و«بحثية» بشكل يضمن وضوح الفكرة وإمكان تطبيقها، مع مراعاة الوضع الراهن للجامعات الناشئة.

- من المهم تأسيس مكتب ضمان الجودة في كل جامعة، تُسند إليه جميع مهمات ضبط الجودة، وتقييم أداء الجامعة، ومراقبة الخطط الاستراتيجية والسياسات.

أخيراً، لا يقلل هذا النقد من الجهد المبذول فيه، وقد كتبته تلبية لدعوة الوزارة لنقده، وهو يمثل وجهة نظري ولا يمثل الحقيقة بالضرورة، وأرجو أن يعاد النظر في النظام وإصداره بأعلى مقاييس ضمان جودة المخرجات التي تعد المنتج النهائي للبيئة التعليمية.

كوت: من المهم أن ينص النظام الجديد على تجديد المقررات الجامعية كل خمس سنوات في الكليات الاجتماعية والشرعية والإنسانية وتجديدها كل سنتين في الكليات الطبية والعلمية ووضع اللائحة التنفيذية لها.

 

 

* دكتوراه في علم اجتماع المعرفة.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available