|   

النسخة: الورقية - دولي

أعلن حزب التيار الوطني الأردني عن توجهه لحلّ نفسه، بسبب ما وصفه رئيس الحزب عبد الهادي المجالي، وهو شخصية سياسية مهمة وعريقة، كان يشغل منصب سفير الأردن في الولايات المتحدة قبل انتخابه نائباً ورئيساً لمجلس النواب لعدة دورات، بتهميش العمل الحزبي وعدم وضوح الرؤية السياسية. وبالطبع فإنها مبادرة ومقولات وأفكار ليست مفاجئة، لكنها ظاهرة لافتة الاعتراف بالحالة ومواجهة الذات بها، فالحياة الحزبية في البلاد أقرب إلى الوهم أو الضحالة، حتى حالة حزب جبهة العمل الإسلامي الموصوفة بأنها استثناء من حيث امتلاك قاعدة اجتماعية واسعة، فإنها في واقع الحال لا تخرج عن وصف الحالة الحزبية القائمة، ذلك أنها قواعد اجتماعية غير قائمة على الموارد والشروط الحقيقية للمشاركة العامة، ليست سوى تجمعات تمزج بين التعصب الديني والجهوي، فتحدث وتزين التخلف السياسي والاجتماعي وتمنحه صلابة وتماسكاً.

ففي إكساب التعصب والانفصال الاجتماعي حالة من التدين، يتحول العمل السياسي كما الانتخابات النيابية والنقابية والبلدية والطلابية إلى انفصال عن الواقع واستعلاء عليه، وليس عمليات سياسية ونقابية تؤثر في السياسات العامة باتجاه اهداف المجتمعات والناخبين، وفي ذلك فإنها حالة خطيرة؛ أشد خطورة وضرراً من الركود الحزبي والعزوف الشبابي والاجتماعي عن المشاركة العامة والحزبية.

والحال أن خواء الحياة السياسية على رغم الانتخابات النيابية والعامة المتكررة ليس سوى محصلة لمتواليات سياسية واجتماعية، ولا يمكن النظر إلى الأزمة بعيداً من روايتها المنشئة، فقد مرت عقود على العمل العام والسياسة العامة وتخطيط العلاقة بين الدولة والمجتمعات والأسواق تكرس الانفصال عن الواقع ثم الاستعلاء عليه، وفي انشغال فئة واسعة من المعارضات والنقابات والطبقات الوسطى انشغالاً تاماً بالقضايا الخارجية أو الميتافيزيقية، تكرست طبقات ومصالح واتجاهات قائمة على معارضة دائمة منفصلة عن السؤال الأساسي والبسيط، لكنه على بساطته يُنشئ متوالية الحكم والسياسة والمعارضة، وهو: كيف نجمع وننفق المال العام بكفاءة وعدالة، أو في صيغة أبسط كيف نعيش حياتنا؟

هكذا انفردت الحكومات المتعاقبة بتدبير الإنفاق العام وإدارة الخدمات الأساسية وتخطيط المدن وتنظيم العلاقة مع الشركات والنخب، وشغلت فئة واسعة من النخب والأجيال بالتحرير والصراعات الدولية والوحدة العربية والإسلامية وبناء وتصميم دور ديني جديد للدولة في التعليم والشأن الديني والاقتصاد واللباس والسلوك على نحو ليس ديناً وليس سياسة ولا مشاركة. وصارت الحكومات المتعاقبة طبقة مغلقة تهيمن على الموارد العامة بلا حسيب ولا رقيب، ثم في مرحلة الخصخصة تحولت السياسة إلى تحالفات نخبوية وسلطوية بعيداً من تأثير المجتمعات والطبقات ومصالحها، وصارت المعارضات والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني طبقة اجتماعية وسياسية تنشئ عالمها وأحلامها وأسواقها ومواردها الاجتماعية والاقتصادية المنفصلة عن تنظيم الحياة وتحسينها، والهشة والأقرب إلى التسول والوهم.

يبدأ ازدهار الأحزاب السياسية بوجود علاقة واضحة وعملية للمواطنين مع المدن والأماكن التي يعيشون فيها، ففي انخراطهم في إدارة شؤونهم وحياتهم يدركون بوضوح ما يريدونه وما لا يريدونه من الحكومة والشركات، وفي ذلك تتعدد اتجاهاتهم وأفكارهم وأساليب حياتهم وثقافتهم وعلاقاتهم وفق تقديرهم الأساسي لما يريدونه وما يحبون أن يكونوا عليه، ولا بأس بعد ذلك بتأييد أو معارضة الوحدة العربية واستقلال الكرد والاحتفال بذكرى الإسراء والمعراج ومعركة حطين.

المواطن اليوم ينشئ مواقفه ومخاوفه وآماله من معايشته وملاحظته للتنظيم الدقيق للأبهة والإبهار والسلطة والرقابة والعقوبات، وفي الوقت نفسه الفوضى في المدارس والمستشفيات والرعاية والأسواق والأرصفة والطرق والفضاءات العامة، والحكومة في راداراتها وكاميراتها وتشريعاتها الردعية الدقيقة والمنظمة والمتقدمة، وفي الوقت نفسه تترك الشوارع والأسواق والمصالح والمؤسسات العامة للفوضى والإهمال وغياب القانون، تقدّم رسالة واعية وواضحة بأن العلاقة بينها وبين المواطنين قائمة على الخوف والكراهية وليس الانتماء والمشاركة، ثم بعد ذلك تتسلى الأوليغارشيا والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني بالانتخابات والديموقراطية.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة