|   

النسخة: الورقية - دولي

تعودنا، تقول عالمة الاجتماع الإسرائيلية إيفا إيلوز، على ربط الأصولية والتطرف بآخر هو الغرب، وفي هذا السياق، أنتج الخطاب الغربي الكثير حول الأصولية الإسلامية، لكنها ترى أن هذا الخطاب لم يهتم كثيراً بالأصولية والتطرف اللذين يصدران من داخله، ولا بتلك الرغبة المرضية في العودة إلى الدين أو الثقافة أو القومية. في بحثها الذي يحمل عنوان: «من مفارقة التحرر إلى سقوط النخب الليبرالية»، والذي نشر في كتاب «التراجع الكبير» للألماني هاينريش غايزلبرغر (زوركامب 2017) ستركز إيلوز على تحليل صيرورة هذا التجذر الداخلي في إسرائيل. وهي ترى أن إسرائيل تمثل نموذجاً مهماً بالنسبة للنقاش الدائر اليوم على مستوى العالم حول التيارات الشعبوية واليمينية المتطرفة، باعتبار أنها، قبل عشر سنوات على النجاح الذي سيحققه اليمين الشعبوي في مناطق مختلفة من العالم، سلكت هذا الطريق. ولهذا ترى أنه ليس عبثاً أن يتحدث كريستوف أياد عن «أسرلة للعالم».

تبدأ إيلوز تحليلها لهذه الوضعية، بنقد كتاب الفيلسوف السياسي الأميركي مايكل والزر: «مفارقة التحرر»، والذي يتحدث فيه عن التطور الدراماتيكي لثلاثة بلدان، هي إسرائيل والجزائر والهند، من العلمانية في رأيه، باعتبار أن حركاتها التحررية كانت علمانية، إلى الأصولية، وكيف انتهى المطاف بالنخبة السياسية العلمانية إلى مواجهة الشعب المتدين. من حق إيلوز أن تتساءل إن كانت القومية العلمانية التي طبعت حركات التحرر في البلدان الثلاثة حرة فعلاً من أي توجه ديني، وبلغة أخرى اعتبارها كونية وعلمانية كما يزعم والزر؟ وهل كانت هذه الثقافة العلمانية مسؤولة عن عودة الديني لأنها أنكرت حاجة الناس إليه؟

بل، وقد نضيف سؤالاً ثالثاً لم تلتفت إليه إيلوز: ألم يكن ذلك التعامل البراغماتي مع الدين، من طرف حركات التحرر، وبلغة أخرى ذلك التسييس الثوري للدين، واستغلاله سياسياً، وإخراجه من دينيته التقليدية، ما سيعيد إنتاج نفسه، بعد سقوط المشروع العلماني؟

ترى إيلوز أن «والزر يخلط بين الثقافة الرسمية لإسرائيل والتي كانت في الواقع علمانية، وبناء المؤسسات، والذي سيصبح مع مرور الوقت أهم من تلك الثقافة الرسمية بل سيدفنها». إيلوز ترى أن المجتمع الإسرائيلي عرف شرخاً بين ثقافته الرسمية والدولة. وفي رأيها أن هذا الشرخ، إلى جانب ضعف أو غياب القيم والمواقف الكونية، باعتبار أن النخب الإسرائيلية رسمت حدود بلدها دينياً وليس إنسانياً، هو ما سيسمح للمتطرفين بالسيطرة على السلطة.

أجل، إن إيلوز تتفق مع والزر في أن العلاقة بين القومية والدين ليست ضرورة، كما يظهر ذلك النموذج الفرنسي، لكن، في رأيها، أن تلك العلاقة كانت حاضرة منذ البداية في النموذج الإسرائيلي. لقد كانت علاقة قوية، لأن الثقافة الرسمية كانت تقوم، وإن في شكل غير مباشر، على تماهي اليهودية بالمواطنة الإسرائيلية أو تماهي اليهودية بالدولة، ما سيحول دون تحقق مواطنة حقيقية. تكتب إيلوز: «وستنشأ عن ذلك دولة غريبة، قوية عسكرياً مثل جوليات، لكنها داخلياً ضعيفة».

غير أن أهم ملاحظة سنقف عليها في هذا العمل النقدي، هو تناول إيلوز تديّن اليهود الشرقيين، القادمين من العالم العربي، والذي كان تديناً منفتحاً أمام الحداثة، متسامحاً وأكثر حداثة من تدين الأشكناز المتطرف والمعادي للحداثة، لكن الدولة الإسرائيلية ستستبعد اليهود الشرقيين وتنظر إلى تدينهم على أنه تعبير عن تخلف اجتماعي. ولهذا، فإن اليهود الشرقيين لاحقاً، لم يحملوا تطرفهم معهم من بلدانهم العربية، بل كان نتيجة، ويا للسخرية، كما تقول، لتفاعلهم مع المجتمع الغربي والعلماني الذي بناه الأشكناز. فالأمر لا يتعلق البتة بمحاولة استعادة هوية مفقودة. كم يذكرنا كلام إيلوز هنا، بالقاعدة الذهبية لبيار بورديو والتي تقول إن عنف العقل في المركز هو المسؤول عن لاعقلانيات الأطراف. إن ملاحظة إيلوز هذه، تجعلنا نفهم أكثر ظاهرة التطرف والإرهاب في العالم العربي، باعتبارها نتاجاً لعنف المشروع التحديثي، الذي أجرم بحق الشعوب، وتحول إلى نوع من الاستعمار الداخلي، وليس البتة بإعادة اكتشاف لقيم دينية أو لهوية ثقافية سابقة على الحداثة. إن العودة نتاج للاغتراب.

 

 

* كاتب مغربي

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة