|   

النسخة: الورقية - دولي

على عكس النزعة الانفصالية لأكراد العراق، والتي يمكن فهمها وتبريرها بقسوة الموروث التاريخي والفشل في صوغ تجربة عيش مشترك، يصعب تفهم النزعة الانفصالية للكتالان، الذين يتمتعون بحكم ذاتي مستقر وفعال، وينتمون إلى ملكية دستورية، ونظام حكم ديموقراطي أقله منذ نهاية حكم فرانكو في السبعينات. كما يصعب القول إنهم يعانون ظلماً اقتصادياً فادحاً أو كبيراً لحساب مدريد، وإن تحمل إقليم الباسك بعض أعباء الدولة الإسبانية ذات الأقاليم السبعة عشر والثماني والأربعين مليون نسمة تعداد الكتالان منهم نحو سبعة ملايين ونصف المليون، نظراً لثراء الإقليم بالنفط والغاز، وتمتعه بجاذبية سياحية، مع توافر المطارات والموانئ على البحر مباشرة. كما يصعب تبرير تلك النزعة الانفصالية بغياب حق التعبير الثقافي في ظل حكومة وبرلمان ضمن إطار حكم ذاتي للإقليم، ولعل هذا سر تعاطف الإتحاد الأوروبي مع مدريد، إلى درجة التهديد بحرمان الإقليم في حال الانفصال حق الانضمام إلى دول الاتحاد.

والبادي أن الرغبة الانفصالية للباسك ليست إلا عرضاً جانبياً لمفهوم حق تقرير المصير، تعكس تطرفاً في إدراكه وإفراطاً في ممارسته، على نحو يهدد مبدأ آخر محوري، ربما كان أعلى قيمة منه، وهو مبدأ السيادة، مع أن الفهم السائد اعتبر أن المبدأين متكاملان، كونهما يعملان معاً على أرضية الدولة القومية العلمانية، وينشدان بلوغ الديموقراطية.

ثمة حاجة هنا للتذكير بأن مبدأ السيادة هو ما أنتجته القريحة الأوروبية مع صلح وستفاليا في 1648، أما مبدأ حق تقرير المصير فألهمته العقلية الأميركية الويلسونية عام 1914، وقد بدا لما يقارب ثلاثة أرباع القرن بعد الحرب العالمية الأولى أنهما أقرب إلى التكامل، حيث الحق في تقرير المصير لكل شعب أو جماعة ثقافية/ قومية يقودها نظرياً إلى تأسيس دولتها المستقلة ذات السيادة المعترف بها من الجميع، وبالذات مع الصعود المشهود لحركات التحرر الوطني، عبر موجتين أساسيتين امتدتا بين الأربعينات والسبعينات، ورحيل الاستعمار عن مواقعه القديمة كغاية حضارية وإنسانية لمعظم الشعوب خارج الإطار العام الأوروبي. وهو التطور الذي توافق تاريخياً مع هدف أميركي استراتيجي، بموافقة ضمنية من الاتحاد السوفياتي وكتلته الاشتراكية أحياناً، ضد الروح الاستعمارية للقوى الأوروبية التقليدية التي كانت قد ساءت سمعتها واندحرت قوتها بفعل الحربين العالميتين.

والمهم هنا أن هذه الحقبة شهدت ميلاد الكثير من الدول التي كانت محميات للاستعمار التقليدي وضمنها يأتي معظم الدول العربية، أو التي جسدت انشطارات ثقافية ودينية وعرقية كبرى كنموذج شبه القارة الهندية الذي أنتج الهند وباكستان وبنغلاديش من دولة واحدة هي الهند، أو حتى تلك التي تأسست على التحام أقاليم متجاورة جغرافيا ومتقاربة عرقياً ومندمجة ثقافياً كالإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية والعراق، أو على أساس جيوبولوتيكي بحت كالاتحاد اليوغوسلافي، أو بإلهام اللحمة الإيديولوجية كما في الاتحاد السوفياتي وبالذات جمهورياته الأوروبية.

في هذا السياق العام، بدا حق تقرير المصير كـ «مبدأ» مكمل لمبدأ السيادة، لكن مع تحول هذا السياق إلى سياق انشطاري منذ السقوط السوفياتي، ونتيجة لزوال اللحمة الإيديولوجية، وقوة الضبط التي مثلتها نماذج التفاعل الدولي للحرب الباردة، بدا وكأن المبدأين متنافران، إذ ولد الكثير من الدول الجديدة على أسس غير كافية لوجودها وعبر صراعات عدمية أحياناً، كإعمال قصير النظر لمبدأ حق تقرير المصير على نحو قوض الكثير من الدول ذات السيادة والتي كانت لها مكانتها في النظام الدولي للحرب الباردة. وهذا ما سمح بقيام دول مبتسرة متجاورة ومتناحرة، وأهدر حقوق الإنسان داخلها على نحو يتناقض مع الفلسفة الأساس لحق تقرير المصير، وهي توفير المناخ العام الإيجابي للحرية الإنسانية حتى سقفها السياسي الأعلى، أي الدولة.

وهنا يتبدى حق تقرير المصير كـ «مبدأ» غير قرين بالضرورة لمبدأ السيادة، أو لمفاهيم كالديموقراطية وحقوق الإنسان، ولا حتى للاستقرار الدولي حتى عندما يسعى إلى تأسيس دولة- أمة قد تكون في الحقيقة دولة- جماعة. وهو ما ظهر فعلياً منذ التسعينات. فمع انهيار الاتحادين السوفياتي واليوغوسلافي تحولت حدود الوحدات الفيديرالية القديمة إلى حدود دول مستقلة جديدة، وكان في الإمكان ألا يثير هذا التحول إشكاليات خطيرة لو أن الجماعات العرقية المختلفة التي تعيش داخل هذه الحدود شكلت لنفسها وحدات مكانية متواصلة متضامنة، لكن الجغرافيا السياسية والثقافية ليست بهذه السهولة. فالدول المؤلفة من جماعات عرقية متعددة تتوزع جغرافيا على رقع متباعدة، ولذا فقد تحوي هذه الدولة الوليدة داخلها مجموعة عرقية أقل حجماً من الأعراق نفسها في الدولة التي انسلخت عنها، ولا مناص من أن تطالب هذه «الأقلية الأصغر» أيضاً بدورها في الاستقلال، ولكن الدولة الناشئة لن تسمح بهذا لأن النتيجة هي تفتيت دولتهم إلى وحدات أصغر هزيلة جداً.

هكذا ندخل في حلقة مفرغة من العنف والحروب الأهلية، ومن انتهاج سياسات وممارسات تجافي الحريات والحقوق. ذلك أن انتهاك حقوق الإنسان في كوسوفا، ناهيك بالبوسنة، يفوق بكثير ما كان قائماً داخل الاتحاد اليوغوسلافي المنهار، وهي الخبرة ذاتها داخل الاتحاد الروسي: فما عاناه الشيشان من قمع السلطة الروسية ربما فاق ما عاناه من السلطة السوفياتية قبل الانهيار الكبير.

هذا السيناريو الرهيب من التمزق يبيّن لنا كيف أن الإعمال المطلق للمبادئ النظرية الكبرى لا يمثل آلية سحرية لحل النزاعات السياسية، التي قد يحتاج حلها إلى اعتماد آليات تنبع من طبيعة الصراع نفسه، فقد يؤدي الإعمال المطلق لحق تقرير المصير، كمبدأ ديموقراطي، إلى تآكل مبدأ آخر هو السيادة، وإلى تفتيت الدول وربما فشلها في توفير الأمن وإدارة عملية التنمية ومن ثم عجزها عن مواجهة الإرهاب، وهو ما يضع على المنظومة الدولية الآن وفي المستقبل عبء النهوض بدور فعّال في صوغ مدونة سلوك توفق بين هذين المبدأين الكبيرين.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة