|   

النسخة: الورقية - دولي

يرى البريطانيون أن بلادهم هي بمثابة سفينة شراعية متينة مدججة بالمدافع ترفع ألوية قضايا بارزة. ولكنها، على خلاف الحسبان هذا، سفينة متواضعة الحجم تمخر المحيط المعولم. وإثر انسحابها من الاتحاد الأوروبي، رفعت مراسيها، وهي تبحر إلى وجهة مجهولة، وعلى متنها تندلع حرائق، والربانة- تيريزا ماي، مقيدة اليد ولا تملك توجيه دفة السفينة إلى مرفأ أو إلى الأمام، ولا العودة أدراجها إلى الشاطئ. وعلى رغم أنه أدى دوراً بارزاً في استفتاء بريكزيت في حزيران (يونيو) 2016، يرى كثر أن جاذبية بوريس جونسون تخبو. فـ «السفينة العظيمة»، على ما يحلو له وصف بريطانيا، هي من بنات الخيال القومي، ومن مخلفات اضطراب رؤية بريطانيا ما بعد الإمبريالية إلى مكانتها في العالم، وهي تتمسك برموز مثل الردع النووي، وهي رموز باهظة الكلفة تشير إلى عظمتها الآفلة في وقت أنها غالباً ما تعجز عن تنظيم دوريات على سواحلها.

وتغير وجه بريطانيا، وصار عسيراً على الحلفاء الأوروبيين التعرف إليها. ومفاوضات الانفصال عن الاتحاد الأوروبي تتعثر بعثرات كثيرة، أبرزها كلفة الطلاق هذا وسلطة القضاء الأوروبي والحدود مع إرلندا. ويقتضي حل هذه المسائل قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية من المفاوضات: علاقات بريطانيا مع الاتحاد الأوروبي بعد الانفصال.

وبلغت حكومة ماي المحافظة مبلغاً من الانقسام حمل بعض مؤيدي البريكزيت إلى الدعوة إلى الانسحاب من دون اتفاق. وعلى رغم أنه أفدح المآلات، يتمسك به الشعبويون ونخب البريكزيت وصحف اليمين الصفراء. ويقود اليساري جيريمي كوربين المعارضة، أي حزب العمال، إلى ماض اشتراكي متخيل. فبريطانيا تهزها أزمة هوية. ولا يجد الخبراء من أصدقاء بريطانيا لوصفها غير أقسى العبارات: «بلد مجوف»، و «قروي في الصميم ومتقوقع»، و «الانتحار المبرمج». والأوروبيون محتارون في أمرها، فـ «إلى أي قعر ستنزلق؟»، يتساءل توماس فالاسيك، ديبلوماسي سلوفاكي سابق على رأس مؤسسة «كارنيغي يوروب». ويقول إن الأوروبيون يقفون موقف المتفرج بعد بريكزيت، ولا يسعون إلى مد يد العون. فهم استسلموا. واللامبالاة تغلب على القارة الأوروبية إزاء بريطانيا. وكثر يرون أنها ستقع في يدي جيريمي كوربين. وهذا مصير قاتم يلحق بها ضرراً أكبر من ضرر بريكزيت. وارتدادات ما يجري في بريطانيا كبيرة في دول أقل رسوخاً منها في الديموقراطية. «فبريطانيا هي القدوة: ديموقراطية راسخة الجذور، وحكم القانون فيها والمؤسسات يعود إلى قرون سالفة. ولسان حال كثر هو التساؤل: إذا كان مثل هذا البلد يلقى هذه المصاعب، ما مصير الدول الأوروبية إذا جبهت مثل هذا الانقلاب السياسي»، يقول الاقتصادي الألماني، غونترام ولف. فهل الدول الأوروبية هي على القدر نفسه من الهشاشة؟ وثمة من يقيم أوجه المقارنة مع بلد آخر أنغلو- ساكسوني عظيم ، الولايات المتحدة، في عصر دونالد ترامب. ولكن مهما بلغ الانقسام في أميركا، لا يشعر الأوروبيون بقلق يرقى إلى قلقهم على بريطانيا. فهم لطالما اعتبروا أنها معيار الاستقرار.

والانقسامات في بريطانيا– سواء حول بريكزيت أو حول السياسة- وثيقة الصلة بالتباس نظرة بريطانيا إلى هويتها وأهميتها العالمية والشاملة. فأسطورة القرن التاسع عشر تصور بريطانيا على أنها «مصنع العالم»، وأمة بروتستانتية يحيط بها الكاثوليك، وامبراطورية لا تغيب عنها الشمس. وهذه الأسطورة اصطدمت بوقائع عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتبدد كثير من صورها. وصارت بريطانيا اقتصاد خدمات، وتلاشت الامبراطورية، ولم يعد الناس يتماهون مع كنيسة إنكلترا. ثم بلغت مارغريت ثاتشر السلطة، وحملت معها توقاً إلى هذه الهوية القديمة تجلى على صيغة رجعية تعلي شأن أمة بيضاء. ولكن هذه الصيغة تقصي السود والآسيويين والمسلمين من «السردية الوطنية». ثم اتجه توني بلير وحزب «العمال الجديد» إلى سياسة أكثر دمجاً للألوان البريطانية وأكثر كوزموبوليتية وانفتاحاً على أوروبا. ولكن أولئك الذين شعروا في عهد ثاتشر باستعادة مكانتهم وهويتهم القديمة، يشعرون اليوم أنهم غرباء في أرضهم، وانتقامهم كان من طريق «بريكزيت»، يقول مارك ليونارد، مدير مجلس العلاقات الخارجية الأوروبي. وتفتقر بريطانيا اليوم إلى سردية وطنية مجمع عليها. «ففي ألعاب 2012 الأولمبية، كان لسان حال هذا البلد هو «بريطانيا المعولمة، المنفتحة والكريمة». ولكن اليوم تقارع هذه السردية الجامعة سردية تعلي شأن السكان الأصليين في وجه المهاجرين والغرباء.

 

 

* مدير مراسلي الشؤون الديبلوماسية، مدير مكتب لندن السابق، عن «نيويورك تايمز» الأميركية، 4/11/2017، إعداد منال نحاس .

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة