|   

النسخة: الورقية - دولي

نشرت الصحافة البريطانية إعلان بلفور أسبوعاً بعد إقراره، أي في 9 تشرين الثاني (نوفمبر) 1917. وفي اليوم ذاته، نشرت الصحافة المصرية موجزاً عنه. وكانت الرقابة البريطانية في مصر حظرت توزيع صحيفة يصدرها في باريس «سوريون» مهاجرون أو منفيون، هي «المستقبل»، جزاء مقالٍ موسوم بعنوان: «الصهيونية ومستقبل سورية». ولاحظت الممثلية الفرنسية في القاهرة أن نشر موجز الإعلان خلف انطباعاً سلبياً حاداً. وتنقل المراسلات الديبلوماسية الفرنسية عن شيخ الأزهر قوله أن مسلمي العالم لن يقبلوا أبداً أن تكون القدس في أيدي اليهود، ولا في أيدي المسيحيين، بينما يستبعد المسلمون من الإشراف عليها، وقد يأتي يوم يشن فيه المسلمون على بني إسرائيل حروباً صليبية، ولن يقبل مسلمو سورية أن يتحوّلوا عمالاً مأجورين عند الصهيونيين بعد انتزاع أراضيهم من ملكهم. وجمع الصهيونيون المصريون مهرجاناً في إسكندرية، في 11/11، احتفالاً بالإعلان. وحضر المهرجان حاكم المدينة البريطاني، وهنأ المحتفلين بالمكسب الذي أحرزوه. ورد «شوام» (الاسم الذي كان يطلقه المصريون على المهاجرين اللبنانيين والسوريين المسيحيين إلى مصر) مصر بالإعداد لحركة احتجاج على البيان، واتهموا أنصار الحركة الصهيونية بالسعي في طرد العرب من فلسطين وإلغائهم أو إبادتهم. لكن الشيخ رشيد رضا، صاحب «المنار»، وهو من أصل «شامي»، علق على المسألة، فكتب أن توطين اليهود في فلسطين من شأنه القضاء على حلم ملك الحجاز (الشريف حسن) بإعالة الحجاز الصحراوي على حساب سورية وأهلها. وأدرك جورج بيكو، الموفد الفرنسي إلى مصر، حين حل في القاهرة ما في مستطاع السياسة الفرنسية أن تجنيه من تحفظها المعلن عن بيان بلفور والسياسة البريطانية. ولم يفت الأمر مارك سايكس، شريك بيكو السنة الفائتة (1916)، فدعا إلى مهرجان كبير في مانشستر في 5/12، أراده جامعاً ممثلين عن العرب واليهود والأرمن في إطار وصاية أبوية تتولاها بريطانيا وفرنسا.

وأبرز المهرجان العقبات الأولى التي اعترضت سياسة البيان العتيد: لا بد للمشروع الصهيوني إذا شاء له أصحابه النجاح، من اتفاق العرب واليهود عليه. واقترح الديبلوماسي البريطاني على الفريقين دمج مواردهما، اليد العاملة العربية والأرض البكر وآبار النفط، والقريحة الاقتصادية والعملية اليهودية، في خطط إنشائية مشتركة. ويعد مارك سايكس العرب (وهم يعدون 8 ملايين في إحصائهم) بأن يبلغوا، في 1950، ولقاء الدمج هذا، 20 مليوناً، وبتجديد شبكة الري المندثرة في بلاد ما بين النهرين، وتوفير أهراء سورية المواد الزراعية التي تحتاج إليها أوروبا، وارتقاء بغداد ودمشق وحلب إلى مرتبة مانشستر العالمية. وذهب سايكس في خطبته إلى أن اليهود جزء لا يتجزأ من الانبعاث العربي، وحض الفريقين على تخطي التسامح إلى التفاهم والاحتضان المتبادل والتضحية. وحذر من أن الإخفاق يؤدي لا محالة إلى صراع دامٍ لم يشهد العالم مثله. وشخص وايزمان، في المهرجان نفسه، مصدر مقاومة الصهيونية في «اليهودي» الكوسموبوليتي.

وأوفد المكتب العربي، وهو فرع الاستخبارات البريطانية القائم في القاهرة، أحد ضباطه، هوغارت، إلى جدة، ليحادث الشريف حسين. فأبلغه هذا أنه لن يقبل إنشاء دولة يهودية مستقلة في فلسطين. وتعهد هوغارت تأييد بلاده تجديد «الشعب العربي» كيانه في صورة «أمة» يتولى العرب أنفسهم توحيدها وبناءها. وأبدى رغبة بريطانيا في ألا يتغلب شعب على شعب في فلسطين. وسوّغ موافقة بريطانيا على تدويل الأراضي المقدسة. وانحاز إلى البند الثاني عشر من بنود الرئيس الأميركي ويلسون الـ14 التي أذاعها في كانون الثاني (يناير) 1918، وينص على ضمان سيادة مناطق السلطنة التركية وأمنها، وعلى ضمان كيانات الأمم التركية وأمنها وتطورها المستقل.

وتتطرق رسالة هوغارت إلى الصهيونية، فتعرب عن عزم «حكومة جلالتها» على تمهيد الطريق أمام «عودة اليهود إلى فلسطين» على شرط أن يتفق ذلك مع حرية السكان الحاليين السياسية والاقتصادية». والفرق بين رسالة المكتب العربي وبين إعلان بلفور ظاهر. فالرسالة خلو من ذكر «البؤرة الوطنية اليهودية»، وتشدد على حرية السكان المحليين السياسية والاقتصادية التي أغفلها إعلان 2/11/1917، وتنبّه إلى نفوذ اليهودية العالمية، وإلى مصلحة العرب في استمالتها وكسب ودها.

وحسِب الشريف حسين أن المسألة تقتصر على إباحة الهجرة اليهودية إلى البلدان العربية، من غير أن تترتب عليها نتائج سياسية. فلم يتردّد الرجل في الترحيب. والرسالة بعض من متاهة بيانات وإعلانات يناقض بعضها بعضاً، والمرحلة الأولى من مناورة ترمي إلى إقناع العرب بخطب ود قوتين يجهل العرب ماهيتهما: اليهودية العالمية والولايات المتحدة. وعشية الجلاء البريطاني عن فلسطين، في 1948، احتج البريطانيون بهذه الرسالة، المنسية في الأثناء، وتنصلوا بها من إعلان بلفور. وحين التقى موفد المنظمة الصهيونية البريطاني سوكولوف وزير الخارجية الفرنسي، ستفين بيشون، في شباط (فبراير) 1918، جدد الوزير في رسالة إلى الموفد تلخص محادثتهما، تأييد حكومته، والحكومة البريطانية كذلك «سكناً يهودياً» (حرفياً: بناء منازل تصلح لإقامة ثابتة) في فلسطين. ولم تشر الرسالة إلى عبارة بلفور: البؤرة الوطنية» إلا في مطلعها، على خلاف «السكن». وأكدت رسالة وزارة الخارجية الايطالية إلى سوكولوف، في 9 أيار (مايو) 1918، سعي الملك الإيطالي في سبيل «تيسير مركز وطني اسرائيلي في فلسطين على ألا يلحق الحقوق المدنية والسياسية التي تتمتع بها الجماعات غير اليهودية في فلسطين أو أحوال اليهود القانونية والسياسية في البلدان الأخرى، أي تغيير».

والبلدان اللذان يشاع عنهما الوقوع تحت تأثير النفوذ اليهودي القوي، روسيا والولايات المتحدة الأميركية، أحجما عن تأييد «البؤرة الوطنية اليهودية»، وامتنعا عن إبداء رأي فيها. فبادرت روسيا الثورية إلى نشر جزء مقتطف من المفاوضات البريطانية– الفرنسية– الروسية التي أفضت إلى اتفاق كامبون– غراي (وزيري خارجية فرنسا وبريطانيا)، ومندوبيهما سايكس وبيكو، ولم تتعد النشر إلى مبادرة أو إعلان. ونصح وزير خارجية ويلسون، لانسينغ، بلاده بألا تظهر في مظهر من يؤيد سياسة اقتسام السلطنة العثمانية التي لم تعلن الولايات المتحدة عليها الحرب، وبالامتناع من التدخل في الشؤون اليهودية الداخلية لأن الخلافات بين اليهود أنفسهم حادة. وأعلن ويلسون إبرامه مذكرة لانسينغ، «على مضض»، لأنه سبق أن وافق على الإعلان البريطاني (بلفور). وعوَّل البريطانيون على نفوذ برانديس، وأملوا في استمالة ويلسون إلى سياستهم الشرق أوسطية، إلا أن الرئيس الأميركي أصر على أن التزام بلاده اعلان بلفور يقيدها قبل مؤتمر السلام القريب ويورطها في سياسة إقليمية لا تقرها. وفي رسالته إلى الحاخام ستيفن وايز، في 27 آب (أغسطس) 1918، أعرب ويلسون عن ارتياحه إلى إحراز الحركة الصهيونية تقدّماً في اميركا والبلدان الحليفة منذ إعلان بلفور، من غير تضمين الرسالة التأييد الصريح الذي نشده وايز.

وشغر منصب رئيس بلدية القدس في الأثناء بوفاة شاغل المنصب، حسين الحسيني. فعين الحاكم العسكري البريطاني شقيق الراحل، موسى كاظم الحسيني، محله قرينة على مساندة الإدارة العسكرية، على خلاف الديبلوماسية، نهجاً عربياً معانداً. وأراد الفرنسيون رفد سياستهم في الخلاف على الأراضي المقدسة وعلى تدويلها، بقوة عسكرية ميدانية مناسبة. لكن الحاكم العسكري البريطاني رفض الطلب. وتصدى الموفد الفرنسي والجنرال البريطاني، كلايتون، للتململ الفلسطيني من سياسة الحلفاء. وكان وجهاء فلسطينيون أعربوا عن خشيتهم من تجريدهم من أملاكهم، ومن السيطرة اليهودية على بلدهم. فاجتمع بيكو وكلايتون ببعض الوجهاء، وشددا على المعنى الحرفي للبيان، وعلى ضمانه حقوق الجماعات كلها. وحاولت اللجنة الصهيونية الأميركية إرسال بعثة أميركية من الصليب الأحمر تتولى التحقيق المحلي في ميول السكان، تعويضاً عن رفض الرئيس ويلسون انتداب لجنة تحقيق أميركية قد يفهم أنها خطوة أولى على طريق انخراط الولايات المتحدة في الشؤون الشرق أوسطية. فتحتفظت وزارة الخارجية الأميركية عن اشتراك شخصيات سياسية في الوفد، تفادياً لتأويل اشتراكها قرينة على تأييد وعد بلفور.

وفي تقرير ديبلوماسي كتبه الموفد الفرنسي إلى الشرق الأدنى، ديفرانس، وهو خلف جورج بيكو على عمله، في شباط (فبراير) 1918، ميز الوفد موقف «الفلسطينيين» من موقف «السوريين» (الشوام) المقيمين في القاهرة، إزاء إعلان بلفور. فكتب أن وقعه على عموم «السوريين» كان «أليماً»، وأشد إيلاماً، على نحو واضح، على الفلسطينيين. فهؤلاء يخشون أن يهدي الحلفاء بلدهم إلى الصهيونيين ويمكنهوهم من «بناء مملكة اليهود الأثيرة على (قلب) هيرتزل». وكتب ديفرانس أن «السوريين» والفلسطينيين لا يرون فرقاً بين «البؤرة الوطنية اليهودية» وبين «الدولة اليهودية». واقترح سايكس على مندوبي «السوريين» في القاهرة الانضمام إلى لجنته المشتركة العتيدة، العربية - اليهودية - الأرمنية، ورفض هؤلاء الدعوة. وبرّروا رفضهم بأن الصهيونيين يرون أنفسهم منذ اليوم «سادة فلسطين»، ويرسمون حدودها على هواهم، فيضمون إليها حوران وبلاد شرق الأردن كلها، ويزعمون أنها الحدود التي يضمرها إعلان بلفور. ويلاحظ ديفرانس أن فلسطينيي القاهرة يخشون، في ضوء المفاوضات العربية– الصهيونية في 1913-1914 (وكادت تؤول إلى اتفاق على تقاسم «المشرق»)، تواطؤاً «سورياً»- يهودياً جديداً على تقاسم البلاد المتنازعة. فليست فلسطين، على قول الفلسطينيين، إلا «سورية الجنوبية». وهذا يتيح «للسوريين»، إذا انفردوا بالمفاوضة، أن ينزلوا عن جنوب البلاد في إطار صفقة كبيرة يتولى الصهيونيون بموجبها، على زعمهم وزعم البريطانيين، إقناع الحلفاء بإقرار استقلال سورية. ويرى فلسطينيو القاهرة أن قصور بريطانيا وفرنسا والحلفاء معاً عن إعلان استقلال سورية دليل على استحالة إعلانه، بالأحرى، عن يد الحركة الصهيونية، على افتراض صدق عزيمتها.

ومنذ تشرين الثاني (نوفمبر) 1917، أنشأت المستوطنات اليهودية في الأراضي التي احتلتها القوات البريطانية هيئاتها التمثيلية. وفي كانون الثاني (ديسمبر) 1918، انتخبت لجنة تنفيذية موقتة. وبرز إلى العلن انقسام يهود فلسطين جناحين: جناحاً صهيونياً علمانياً، وآخر متديّناً يعارض الأول، ويقاوم سيطرته على إدارة الجماعة المحلية وإلحاقها باللجنة الصهيونية التي يرأسها حاييم وايزمان. وحين شكّل البريطانيون الفوج الملكي (40) قناصة من اليهود المحليين، تذرع دعاته بتشكيله إلى إنشاء ميليشيا يهودية تعد العدة إلى ضم الأفواج، البريطانية ظرفياً، إلى صفوفها، وتبسط بواسطتها سلطتها على «البؤرة الوطنية».

وخشي البريطانيون، ومعهم الصهيونيون، تأييد الفرنسيين سورية موحدة، فلسطين جزء منها. ويماشي هذا المسعى طموح فرنسا إلى فرض حضارتها ولغتها ومصالحها المالية على المنطقة. فردت السياسة البريطانية برعاية الاستقلال الثقافي اليهودي، ونصبه حاجزاً في وجه التوسع الفرنسي. وأجمع الإداريون البريطانيون والصهيونيون على صد السياسة الفرنسية «السورية» من طريق إنشاء «وقائع» قبل مؤتمر السلام المنتظر والوشيك: احتلال البريطانيين بقية الاراضي الفلسطينية وتثبيت الشريفيين (أنصار فيصل بن الشريف حسين) في دمشق. وفي ذكرى بيان بلفور الأولى، أعلنت اللجنة الصهيونية عزمها على الاحتفال والتظاهر في المناسبة. فرد العرب، بلسان موسى كاظم الحسيني، وابن عمه، المفتي، بتنظيم تظاهرة مضادة. فأمر الحاكم العسكري القوات البريطانية بالفصل بين الفريقين. وقابل وفد فلسطيني الحاكم غداة التظاهرتين وأبلغه تنديده بـ «إعطاء فلسطين إلى اليهود». ومن ذيول التظاهرة الفلسطينية تأليف لجنة إسلامية – مسيحية بيافا أبرقت بعريضة احتجاج على التظاهرة اليهودية، وتظاهرت في 17 تشرين الثاني 1918، احتفالاً بالذكرى السنوية الاولى لدخول القوات البريطانية الاراضي الفلسطينية. ويُظن أن اللجنة أنشئت بإيعاز من الليفتانت– كولونيل هوبارد، الحاكم العسكري، والراغب في إنشاء منظمة أهلية فلسطينية تدين بالولاء لبريطانيا لقاء تعهد هذه حماية الممتلكات الفلسطينية وأراضي الفلسطينيين من المصادرة، وحرية الفلسطينيين السياسية. واقترح هوبارد إنشاء لجنة فلسطينية نظير اللجنة الصهيونية.

 

 

* أستاذ كرسي تاريخ الشرق الأوسط المعاصر في معهـد (كوليـدج) فـرنـسا عن «مسألة فلسطين»، ج1 1799-1922، مكتــبة فايار 1999، إعداد منال نحاس.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة