|   

النسخة: الورقية - دولي

ليس بروز المتحرش الجنسي في الغرب من بنات المجتمع والثقافة، وشطر من هذا البروز يعود إلى الطبيعة: فالمتحرش هو غالباً مكتهل بطين فقد الأمل في استمالة أنثى إليه، ويتوسل بالعنف لبلوغ غايته وإطاحة كل مقاومة تصده من طريق نفوذه الاقتصادي أو شبكة علاقاته. ومثل هذه العلاقة العنيف لا يرمي إلى متعة متبادلة، مثلما هي الحال حين الإغواء، بل إلى عملية تبادل: إشباع رغبة الذكر مقابل شيء تحصده من تصدع بها (بهذه الرغبة). وما يُحصد أو الفائدة المرجوة تختلف من مهنة إلى أخرى. وما يقدم عليه المتحرش يعث الفساد والتواطئ حوله. والدليل على ذلك الاجماع الجامع والعام على شجب وينستاين، وهو شجب قد يطاول التائبين الذين يتهمون أنفسهم، بعد فوات الأوان، بالسكوت عما لم يخفَ عليهم. والمجتمع الغربي يدين التحرش الجنسي، ولكن الظاهرة هذه أكثر بروزاً فيه مما هي عليه في مجتمعات أخرى: ففي الغرب أكثر من أي مكان على وجه المعمورة يختلط الرجال والنساء في أمكنة العمل والدراسة وعالم الفن والاستعراض. فعلى سبيل المثل، ظهور النساء على المسرح هو من بنات الغرب، على رغم أنه ظاهرة متأخرة نسبياً: ففي إنكلترا، لم تسع النساء تأدية أدوار الإناث على المسرح قبل القرن السابع عشر. وقبل 1660 كان رجل يؤدي دور جولييت في مسرحية روميو وجولييت. وفي شطر راجح من المجتمعات، الفصل قائم بين الجنسين للحؤول دون حوادث التحرش. وهذا، أي التحرش، هو النتيجة المباشرة المترتبة على مسألة بارزة لا يستخف بها: الاختلاط الذي يرسي المساواة.

وليس الوحش الذكر طارئاً على المجتمعات ولا جديداً. ففي اليونان القديمة، العلم عليه هو ساتير، وهو كبش كعباه كعبا ماعز. والمواجهة بين البريء والمتحرش أو المفترس نقع عليها في قصص الأطفال، وعلى سبيل المثل في «الصغيرة ذات الرداء الأحمر» (ليلى والذئب). وفي الماضي، لم تملك المرأة عملاً مدفوعاً، ولم يكن المتحرش صاحب الإنتاج أو مدير المكتب، بل كان طليقاً في الغابة أو البراري مثل الذئب أو في العائلة. ففي الحيز العائلي، نقع على العلاقة بين رب الأسرة والخادمة. ورواية «زواج الفيغارو» تتناول حق السيد الإقطاعي في بكارة الخادمة، شأن الرواية الواقعية وصولاً إلى «يوميات خادمة» لأوكتاف ميربو. ولا أعتقد أن الأدب المعاصر تناول مسألة المتحرش أو الخنزير قبل «الهاشتاغ» (التغريدة) الذي ذاع على تويتر الفرنسي، اثر تحرر الالسنة من القيود بعد فضيحة وينستاين. فروت أديبات معروفات ما تعرضن له من اغتصاب أو سفاح قربى. والملفت هو طابع ما ترويه النساء، على تباين أشكاله وتكراره، العام وغير الاستثنائي.

والنسويات (نصيرات أو ناشطات الحركة النسوية)، شأنهن اليوم مثل البارحة، رأيهن في الرغبة مبتسر، وينزعن الى حمل رغبة النساء على نظير رغبة الرجل حين يردن تهذيبها وتأديبها بآداب الحضارة. وتقترح مانون غارسيا، المشتغلة في الفلسفة، إحلال النساء «قول الرغبة والإرادة» محل القبول والرضا، وذلك سعياً في مغادرتهن موقع الشيء. وينم هذا برفض افتقار الدورين الجنسيين إلى التناظر والتكافؤ. والتفاوت هذا (الافتقار الى التناظر) يصيب القوة الفاعلة والانفعال. وإذا افترضنا أن المرأة قالت: «أريد»، فالأرجح ألا يملك الرجل الطاقة على إجابة الإرادة. فمحاكاة رغبة المرأة رغبة الرجل مثال نمطي على الوهم الفردي. وهو معنى القول: كلنا افراد، ولا مسوغ للفرق الجنسي (وإذا وجد هذا الفرق فلا تأثير له في حياتنا). وتخلص مانون غارسيا إلى النتيجة التالية: «على القانون أن يتولى انتقال الخوف من جهة (الرجال) إلى جهة (النساء)». وإذا المراد هو الخوف، فهل المسألة لا تزال هي مسألة الرغبة. والقبول مصطلحٌ قضائي، وهو ركن العقد، ونواة ما يقدم عليه «راشدان إقبال القبول والتراضي». وعلى خلاف القبول، الرضا مدغم بالابتهاج. وتعود أصول أدب التقرب والتغزل والكياسة والتودد الى النساء إلى ايطاليا في عصر النهضة وإسبانيا، ووضعت الرحال في فرنسا في القرن السابع عشر. وقدمت فرنسا النظام القديم (العصر الملكي قبل الثورة) نفسها على أنها بلد يحسن معاملة النساء. وفي العالم الأرستوقراطي، حُملت إساءة معاملة النساء محمل العار. وعليه، الغيور كان صنو السخيف. ومنذ العصر الوسيط، صار من يتعرض للخيانة موضع سخرية وفكاهة، ومنذ عصر موليير، صارت السخرية من نصيب من يكره النساء ويبغضهن. ويحتفى باللطف مع النساء ويشجب الرجل التملكي. ولكن تصدر أخبار برتران كانتان (مغني فرقة «نوار ديزير» الفرنسية الذي قضت صديقته وهو يعنفها، وخرج بعد نفاد عقوبته في السجن ليعمل في عالم الفن) العناوين، يحمل على الشك في أنه في بلد يراعي مكانة النساء وحقوقهن.

 

 

* كاتبة، أستاذة في الأدب الفرنسي، عن «لوبوان» الفرنسية، 2/11/2017، إعداد منال نحاس

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة