|   

النسخة: الورقية - دولي

ما تحقق من خطوات على طريق المصالحة الوطنية وطي صفحة الانقسام مهم وبالغ الضرورة، ومع ذلك تدخل المسألة في حلقاتها الأصعب مع اقتراب الأطراف الفلسطينية ومعها الوسيط المصري من ملامسة القضايا والموضوعات الشائكة، والتي تشكل واقعياً جوهر الانقسام وسنده وركائزه. الحديث عن استعادة قطاع غزة لا يستقيم بمجرد تسلم الحكومة وزاراتها، فمظاهر الانقسام وأسباب استمراره تقع في مساحة أخرى وتحديداً في الأجهزة والمؤسسات الحاكمة وفي مقدمها المؤسسات الأمنية التي أسستها حركة «حماس» بعد استيلائها على مقاليد الحكم هناك.

ليست هذه مسألة شكلية أو قليلة الأهمية يمكن القفز عنها أو حتى تأجيلها، لأن ذلك سيعني واقعياً حضور السلطة في صورة فوقية شكلية لا تقدم ولا تؤخر يجعلها تقف بأقدامها على أرض ليست لها ويجعل خطوات الوحدة التي تحققت معلقة في الفراغ ويمكن أن تسقط في أي لحظة وعند أول منعطف خلاف بين «حماس» و «فتح».

قد يرى البعض أن ما راكمته «حماس» خلال سنوات عقد الانقسام من تغييرات، بات حقائق صعبة التغيير، وقد يتذرع بعض آخر بذلك – وهو حقيقة – لكن الصعوبة لا تلغي أن إزالة ما راكمته «حماس» ليس ضرورة وحسب، بل حتمية لا بد منها لإعادة بناء الحياة الطبيعية في غزة في صورها وأشكالها كلها وليس في مؤسسات الحكم وحسب. لا يتعلق ما نقوله برغبة أو خيار بل بشروط واقعية موضوعية يفرض غيابها عودة الأمور إلى المربع الأول. نقول ذلك بسبب التحولات الكبرى خلال العقد الفائت، والتي طاولت شؤوناً عامة وشخصية تمس حياة مواطني القطاع وتجعلهم طيلة الوقت تحت طائلة المساءلة وفقاً لـ «قوانين» زجرية تعسفية، ونقوله بسبب إدراكنا أن الانقسام كحالة وطنية استفادت منها «حماس» للاستفراد بغزة خلقت جيشاً من المنتفعين الذين تقع مصالحهم المباشرة في إفشال الوحدة، وهؤلاء ليسو أفراداً هامشيين بل رموز متنفذة ويشغل بعضهم مواقع قيادية مرموقة وهم لا يخفون نياتهم ومواقفهم.

هي حالة مواجهة جدية وجذرية مع الانقسام وآثاره الكبرى وتفاصيله الصغيرة التي تعشش في زوايا الحياة العامة والشخصية وتجعل المراوغة حاضرة بأساليب لا تحصى لكل خطوة من خطوات اتفاق المصالحة، فالشيطان يكمن في التفاصيل وهو حاضر ويستنفر إمكاناته كلها، ما يستدعي التمسك بالاتفاقات كلها باعتبارها حزمة واحدة متكاملة لا تجوز المساومة عليها.

لا معنى هنا لمساومات يمكن أن تقع بعد الاتفاق فمثلها لن يؤدي إلى استعادة الوحدة، بل إلى نوع من «الحكم الذاتي» لـ «حماس» في قطاع غزة تحت ذرائع الواقعية والأمر الواقع مرة أو ذرائع خصوصية مزعومة لـ «حماس» في قطاع غزة. لا تقف الحالة عند العناوين الكبرى كالأمن والشرطة، بل تمتد إلى التعليم والصحة والضرائب والجامعات والمساجد وإداراتها ناهيك طبعاً بالإعلام وما يعيشه من سياسات تحريض تعمق الانقسام. من دون تنفيذ فعلي للاتفاقات بحذافيرها، لا نعتقد أن التفاؤل ممكن، فالحالة الفلسطينية تحتمل ترف اللهو في متاهات التذاكي التي أضاع في دروبها الفلسطينيون سنوات كانت عبثاً خالصاً أضعفهم جميعاً ووضع قضية فلسطين وعنوانها الأبرز دحر الاحتلال في حالة شبه غياب من الساحة الدولية، فيما دولة الاحتلال تعمل ليل نهار في تنفيذ خطط الاستيطان وتوسيعه وصولاً إلى هدف تهويد الأرض في صورة كاملة ونهائية. هو رهان على النجاح، وهو لذلك يحتاج إلى الجدية والصبر ويحتاج قبلهما إلى إرادة صلبة لا تعرف التردد أو التفريط حتى في ما يبدو للناظر عابراً أو هامشياً قليل الأهمية.

 

 

* كاتب فلسطيني

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة