|   

النسخة: الورقية - دولي

قتلت جماعة «المرابطون» التي يقودها الضابط المفصول هشام عشماوي والمرتبطة بـ «القاعدة»، عدداً من ضباط الشرطة المصرية وجنودها. وهذا ما يطرح السؤال: «أليس لهذا العنف من نهاية أو وقفة للتدبر والمراجعة؟ ثمانون عاماً مرت على ممارسة بعض فصائل الحركة الإسلامية المصرية للعنف، بدءاً من التنظيم الخاص لـ «الإخوان المسلمين» الذي قتل رأس الدولة المصرية وقتذاك النقراشي باشا، فتسبَّب في قتل رأس دعوة «الإخوان» الشيخ حسن البنا. كان التنظيم الخاص لـ «الإخوان» سبباً في معظم كوارث تلك الجماعة، وينطبق الأمر نفسه على تنظيمات عدة مارست العنف والاغتيالات في مصر مثل جماعة شكري مصطفى، و «الفنية العسكرية»، و «الجماعة الإسلامية»، و «الجهاد»، و «أنصار بيت المقدس»، و «داعش سيناء»، و «أجناد مصر»، و «حسم» وهو التنظيم الذي أعاد «الإخوان» مرة أخرى إلى العنف بعد طلاق دامَ أكثر من خمسين عاماً. اغتيالات وتفجيرات وحرائق وعنف متعدد الشكل قامت به هذه الفصائل المسلحة تارة ضد الشرطة أو الجيش أو المسيحيين أو المفكرين العلمانيين.

ما هي حصيلة هذا العنف المسلح الذي استمر قرابة ثمانين عاماً؟ هل قرَّب هذا العنف هذه الجماعات مِن السلطة أم أبعدها عنها؟ وهل أبقاها حتى في وظائفها أم تم فصلها منها؟ وهل أبقى على حريتها أم شرَّدها في البلاد وشحنها إلى السجون بالآلاف؟ هل أقام الديموقراطية في البلاد أم كرَّس الاستبداد والديكتاتورية وأعطاهما قبلة الحياة؟ هل أخرج السجناء من السجون وأوقف ألمهم وعذاباتهم، أم زادهم عدداً ورهقاً؟ هل أدى هذا العنف إلى زيادة مساحة الحريات العامة في مصر، أم كان سبباً ومبرراً لنقصان هذه الحريات وتقليص مساحتها وبقاء قانون الطوارئ منذ الستينات وحتى اليوم إلا في سنوات قليلة تعد على أصابع اليد الواحدة؟ هل أدت التفجيرات والاغتيالات إلى إقامة الشريعة أو ترغيب الناس في الدين أم صدَّتهم عنه وشكَّكتهم في صدقيته بعد أن شكّوا في صدقية تلك الجماعات؟ فكلما زادت الاغتيالات والتفجيرات ونوبات الصراع السياسي في مصر، كثر الإلحاد وانصرف الناس عن الدين وزاد طعنهم في كل أئمته.

هل ساهم هذا العنف في نشر الحب في المجتمع المصري أم زرعه بالأحقاد والأشواك والكراهية؟ لقد أضافت هذه التفجيرات والاغتيالات وما استتبعها من إجراءات حكومية قاسية، مأساة جديدة جعلت الشباب يخاف من كل ما هو إسلامي وجعل الأسر تخشى على أبنائها حتى من ارتياد المساجد في بعض الفترات أو الانخراط في أي نشاطات دعوية أو اجتماعية أو إنسانية، خشية أن تنجرف أقدامهم إلى طريق التنظيمات ثم مسلسل العنف، فحرم المجتمع من خير كثير.

تُرى هل أدى تفجير الكنائس إلى زيادة اللحمة الوطنية المصرية، أم إلى حدوث شرخ مجتمعي كبير وفاصل خطر بين الإسلاميين وشركاء وطنهم من المسيحيين، ولولا حكمة قادة الكنيسة لانقسمت مصر وتكرر نموذج كردستان. فقد قال البابا المصري: «وطن بلا كنائس خيرٌ لنا من كنائس بلا وطن»، ولو نفخ البابا نفسه وأتباعه في روح الثأر والانتقام لانتشر شرره وأكل الوطن كله بمسلميه ومسيحييه.

ثمانون عاماً من العنف جرَّبته فصائل الإسلام السياسي، فلا قطعت أرضاً ولا أبقت ظهراً. لا هي وصلت إلى السلطة، ولا هي حافظت على دعوتها أو على أبنائها، بل كلفت نفسها ما لا تطيق، وكلفت أبناءها ما لا طاقة لهم به وأوقعتهم في الحرام الشرعي والحرج الاجتماعي والإنساني، وجعلتهم يمضون زهرة شبابهم في السجون نتيجة لتوسيع دائرة الاشتباه.

ثمانون عاماً من العنف، زادت الإسلاميين تراجعاً وعنتاً وقهراً وهواناً وسجناً ونكالاً وغيَّبت دعوتهم وضيَّعت قوتهم، فماذا بعد؟ ألم يحن وقت المراجعة الأمينة والصادقة والكاملة لمبدأ استخدام العنف بعيداً مِن حسابات السياسة والحزازات مع هذه الحكومة أو تلك أو النظر القصير بأن هذا سيصب في مصلحة نظام معين؟ مراجعة بيننا وبين الله أولاً ونصرة للشريعة وللدين، فالعنف حرام شرعاً وضار سياسياً، وقاتل دعوياً، ومدمر اجتماعياً، وهو سبب مشكلات الحركة الإسلامية كافة، وصانع معظم آفات المجتمع.

 

 

* كاتب مصري

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة