|   

النسخة: الورقية - دولي

على رغم الحوار العابر بين رئيسي روسيا وأميركا في قمة منظمة آبيك، نجحا في إصدار بيان مشترك حول سورية. ويشير البيان إلى التزام العملية السياسية في جنيف سبيلاً إلى إنهاء الحرب الأهلية. وأنجزت المرحلة التحضيرية في ما يخص الإصلاح الدستوري والانتخابات. لكن مراقبين شعروا بالخيبة. فاللقاء بين الرئيسين اقتصر على مصافحة، وتبادل بعض العبارات، والموافقة على بيان منسق بين لافروف وتيلرسون. وانتظر المراقبون والصحافيون اجتماعاً شامل الأبعاد يسمح بمناقشة ما لا يقل عن ثلاث مشكلات مهمة هي كوريا الشمالية وسورية وأوكرانيا. وكان الكرملين أعلن عن اجتماع مزمع بين بوتين وترامب، ولكن في يوم القمة، فجر الجانب الأميركي مفاجأة. وقالت الناطقة الإعلامية باسم البيت الأبيض سارة هاكابي ساندرز: «إن هذا الاجتماع لن يعقد بسبب عدم تطابق في مواعيد الجانبين».

إلّا أن ما قالته ساندرز ضعيف الصلة بالواقع، وما حصل كان إلغاءً من جانب واحد للاجتماع المتفق عليه. وإلا يتعذر تفسير عصبية الوفد الروسي حيال التصريحات غير السارة للزملاء الأميركيين، وهو ما عبّر عنه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بالقول: «سمعنا الرئيس ترامب يعلن رغبته في عقد اجتماع مع الرئيس بوتين. أمّا ما يقوله البيروقراطيون، فلا مجال للتعليق عليه». وثمة تكهنات حول خلافات صغيرة (على سبيل المثل، اللقاء تعطل بسبب رغبة ترامب في طرح موضوع التدخل الروسي في الانتخابات الأميركية رسمياً، وعدم استعداد موسكو لتضمين البيان الختامي المسألة هذه) ربما أطاحت اللقاء. لكن هذا ليس سبباً كافياً لإلغائه. ويبدو أن الرفض الأميركي يعود إلى مزيج من دواع، منها أساسي ومنها سطحي، انطباعات قد تنجم عن اللقاء نفسه.

وفي إطار الدوافع الأساسية، لا فائدة من إجراء اللقاء. ولم يكن مخططاً في اختتام الاجتماع المرتقب بين بوتين وترامب التوقيع على اتفاقات ثنائية، بل بلوغ تسوية ما في شأن كوريا الشمالية (الضغط الديبلوماسي المشترك على كيم الثالث)، وسورية (بحث شكل العملية التفاوضية بين حكومة الرئيس بشار الأسد والمعارضة، وكذلك المواءمة بين توازن مصالح روسيا وإيران والولايات المتحدة وتركيا ودول عربية وإسرائيل في الأراضي السورية المضطربة). وفي نهاية العام الحالي، ينظر مجلس الأمن الدولي في مسألة نشر قوات حفظ السلام في الدونباس [أوكرانيا]. لذا، كان على ترامب وبوتين أن يجدا صيغة توفيقية لهذا النشر لتجنب الفضائح التي ينطوي عليها الاستخدام المتبادل لحق النقض في مشاريع القرارات. وثمة ثلاث قضايا يرغب ترامب في إبرام تسوية في اثنين منها في الأقل (كوريا الشمالية وسورية). فالرئيس الأميركي في عزلة ديبلوماسية في قضية كوريا الشمالية. ووجدت أميركا نفسها من دون حلفاء طبيعيين في سورية. ولكن، لماذا فقد ترامب فجأة الاهتمام بالتسوية؟ ربما بسبب كوريا الشمالية ذاتها، إذ يحتمل أن يكون أبرم اتفاقاً مع الصينيين. لكن هذا غير مرجح، لأن الصينيين لن يتخلوا عن بيونغيانغ. ومثل هذه التسوية مع بكين يقتضي تعزيزها من طريق توسيع مجال المناورة، أي التوصل إلى حل توافقي مع موسكو.

وخسر الكرملين والبيت الأبيض ماء الوجه (على الساحة الدولية. والأمور ليست واضحة. ويبدو أن الرئيس الأميركي يخسر شعبيته في الداخل، وأن العامل هذا هو الأبرز. ولم يخف أحد أن بعد الاجتماع مع بوتين سيواجه ترامب موجة أخرى من انتقادات الليبراليين الأميركيين، لذا، كثير من مستشاري ترامب نصحوه بعدم عقد هذا الاجتماع. وتفاقم هذا الضغط إثر هبوط شعبية الحزب الجمهوري وخسارته قبل أيام قليلة أمام الديموقراطيين سلسلة من الانتخابات في ولايات مختلفة (خسارة فيرجينيا).

وربما لم يكن ترامب ليستمع إلى هذه النصائح لو اعتقد أن الأرباح من الاجتماع مع بوتين تفوق الخسائر في الداخل. ورفض اللقاء قد يكون منطقياً، ولكنه يهدم الركيزة الأخيرة في العلاقات الروسية - الأميركية، أي الثقة الشخصية. لفترة طويلة كانت موسكو تستوعب خطاب ترامب وتلك القيود التي تقيده. وظل الموقف الشخصي تجاه الزعيم الأميركي إيجابياً إلى حد ما. كانت كلمة ترامب ذات صدقية. مع ذلك، حرية التصرف التي أبداها ترامب في قمة آبيك على مبدأ «أنا سيد كلامي، أعطي ما أريد، وآخذ ما أريد»، يمكن أن ينظر إليها في الكرملين على أنها إهانة شخصية. وما قد يخفف العواقب الناجمة عن الإهانة هذه، هو الوضع الفريد والاستثنائي اليوم: خشية رئيس أميركي الاقتراب من الرئيس الروسي.

 

 

* محلل سياسي، عن موقع «إكسبرت» الروسي، 11/11/2017، إعداد علي شرف الدين

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available