|   

النسخة: الورقية - دولي

الجولة الرسمية الأولى للرئيس الأميركي في الجزء الآسيوي من المحيط الهادئ، جاءت بعد قرابة عام من توليه السلطة، وتثير سؤالين: هل هي في مثابة توغل أميركي في منطقة حيوية وعالية التوتر، أم أنها نزلت على ضرورات ديبلوماسية فحسب، وخصوصاً مع الصين؟ اليوم، لا يسع أميركا أن تغفل أن الهدف الاستراتيجي للصين هو إطاحة الهيمنة الأميركية في الجزء الآسيوي من المحيط الهادئ، واستغلال الفرص السانحة إثر أُفول القوة الأميركية، والبروز قوة عالمية تضاهي القوة الآفلة. لذا، حريّ بواشنطن ألا تتراجع أمام الصين وعدم منحها سياسة تفضيلية خاصة.

وأميركا محاصرة استراتيجياً في آسيا– الهادئ، وهي تجبه تحديات صينية عسكرية. وبكين تحاصرها كذلك من طريق حرب بالوكالة في كوريا الشمالية. والصين سلحت حليفتها التقليدية وجعلتها قوة نووية وصاروخية تهدد حلفاء أميركا في المنطقة، والأراضي الأميركية نفسها. وكان مقرراً أن تبدأ الجولة الأميركية من الصين، لكن الحكمة غلبت، واستأنف ترامب الجولة بزيارة الحلفاء، أي اليابان وكوريا الجنوبية. واليابان هي ركن السياسة الأمنية والدفاعية الأميركية في منطقة آسيا- الهادئ. وبكين تسعى على الدوام إلى تقويض الأمن الأميركي وتهديده. وزيارة اليابان وكوريا الجنوبية أولاً تؤكد على التحالف القوي معهما، وهي اعتراف مضمر بأن الصين هي علة القلق الأميركي الأمني والتجاري في الجانب الآسيوي من المحيط الهادئ.

وتحتاج أميركا إلى تحالف استراتيجي متين، دبلوماسي وعسكري، مع طوكيو وسيول، لجبه كوريا الشمالية وأنشطتها النووية المنفلتة من كل عقال. ولا غنى عن التحالف هذا في وقف المد العسكري الصيني المتفاقم. وعلاقة ترامب قوية مع رئيس الوزراء الياباني، على خلاف العلاقة الأميركية– الكورية الجنوبية. فالرئيس الكوري الجنوبي يثير قلق أميركا (معارضته الأولية نشر صواريخ «ثاد» في كوريا الجنوبية وسعيه إلى التواصل مع كوريا الشمالية). زيارة الرئيس ترامب الصين لا يمكن وصفها بفتح اسراتيجي. ففي الأشهر الماضية، لم يتعاون شي جينبينغ مع ترامب من أجل تقييد كوريا الشمالية ووقف برنامجها النووي والصاروخي وسياستها المعادية لأميركا.

ولا شك في أن التجارة والاستثمار مسائل بارزة في العلاقات الصينية– الأميركية. وعلى رغم احتفاء بكين بالرئيس الأميركي، لا يخفى أن الصين تهيمن على التجارة بين البلدين وتتلاعب بسعر عملتها. ويبدو أن بكين سعت إلى حد الضغوط الأميركية في القضايا التجارية من طريق اقتراح عقود ببلايين الدولارات. ولكن هل يمكن لواشنطن أن تبقى متساهلة مع الصين، وتقبل بشراء بكين صمتها عن اعتداءاتها في بحر الصين الجنوبي وبحر شرق الصين والمناطق الاستراتيجية المضطربة في المنطقة؟ ومثل هذا الصمت سياسة قصيرة الأمد على رغم أنها تحقق أرباحاً مالية. لكن هذه السياسة لا ترسي تحولاً جذرياً في السياسة الأميركية- الصينية.

وخلاصة القول أن زيارة ترامب بكين تندرج في سياق ديبلوماسي للتعامل مع الصين في منطقة آسيا الهادئ المضطربة، بينما تنتهج واشنطن خطوات أخرى لاحتواء الصين. وحين كان الرئيس الأميركي يهم ببدء زيارته الفيليبين، كانت البحرية الأميركية تجري مناورات بحرية قرب السواحل الكورية الشمالية شاركت فيها ثلاث حاملات للطائرات لأول مرة في هذا العقد. والمثير أن اليابان أرسلت حاملة طائرات مروحية لمشاركة البحرية الأميركية المناورات. وهذه رسالة أميركية إلى الصين تذكرها بأنها واليابان تملكان خياراً عسكرياً، إذا لم تبادر إلى لجم كوريا الشمالية.

 

 

* خبير في شؤون الجيش الهندي، ديبلوماسي سابق، عن «ساوث إيجيا أناليزيس غروب» الأسيوي، 13/11/2017، إعداد جمال اسماعيل

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة