|   

النسخة: الورقية - دولي

يُقتل الفلسطيني بألف طريقة وطريقة كل يوم. يُقتل، يُبعد، يُسجن، يُنكل به، يُقطع رزقه، تُسرق أرضه أو يُهدم بيته. ولا تزال إسرائيل تحاول أن تقتله.

هذه الأيام، تفتق ذهن اليمين الإسرائيلي عن مشروع قانون عنصري جديد. في أحد وجوهه هو نسخة إسرائيلية مشوهة عن «شريعة حمورابي» التي تعود آلاف السنين إلى الوراء، تحديداً إلى عام ١٧٩٠ قبل الميلاد، وجوهرها «الإعدام» لكل أسير فلسطيني تتلطخ يداه بدماء إسرائيليين.

هذا فحوى مشروع «قانون الإعدام» الذي من المقرر أن يطرحه حزب «إسرائيل بيتنا» للتصويت في الكنيست. وبكلمات أحد نواب الحزب، فإن السجن ليس رادعاً قوياً لمن يقتل إسرائيلياً. كيف يُسمح للأسرى بمشاهدة مباريات كأس العالم في كرة القدم، والاحتفال بالأعياد، والدراسة وتحصيل درجات علمية؟ ليس معقولاً أن يعيش الأسرى في ظروف مريحة، فهذا لا يتناسب مع حجم الألم المستمر الذي تعاني منه أُسر القتلى الإسرائيليين.

صحيح أن مشروع قانون مشابهاً رُفض في الكنيست عام 2005، إلا أن أخطر ما في المشروع الجديد أنه لم يأت من الجماعات الدينية اليمينية المتطرفة الصغيرة أو المرتبطة بالاستيطان. بل من وزراء ونواب. فالمحاولة الجديدة مرتبطة بحزب أفيغدور ليبرمان، وزير الدفاع، الذي سبق أن دعا إلى تبني عقوبة الإعدام على أساس أن السجن لا يكبح جماح عمليات القتل.

إنه العقل الفاشي، ذلك الذي يطرح مثل هذه القوانين العنصرية. عقل يستكثر على الفلسطيني أن يشاهد مباراة كرة قدم، أو أن يحتفل ويفرح، أو أن يحقق أي إنجاز. عقل يريد قتل الفلسطيني وإلغاءه تماماً. لا يريده أن يعيش، ولا يريد أن يراه أو أن يرى أثراً له، لذلك يقتله مرة تلو الأخرى. لا يريد أن يرى الضحية لأنها تذكره بجريمته. لذلك يبني الأسوار، السور تلو السور، ويعزل نفسه وراءها، فيسجن الفلسطيني ويسجن نفسَه.

إنه العقل نفسه الذي يلاحق الفلسطيني ورموزه الوطنية. ففي علم الدلالات، تأتي الرموز لتكثّف الرواية الفلسطينية، فالرمز إشارة، وفي الوقت نفسه رواية، ومحاربة الرمز إنما تعني محاربة الرواية وطمسها. الكوفية الفلسطينية، مثلاً، تستفز الإسرائيلي وتغيظه بما هي أحد أهم رموز العقود الأخيرة. هي قصة الفدائي، ولاحقاً قصة الصمود، كما هي رمز المفاوضات الديبلوماسية، ثم قصة الفلسطينيين بكل قضاياهم. فكيف إن أصبحت تُستخدم كرمز للثورية والعدالة ومحاربة الظلم على مستوى العالم؟

والكوفية تكاد تكون بأهمية العَلَم الفلسطيني، وهذه رواية أخرى فيما يتم التلويح به مرة لتحية الفرق الرياضية الفلسطينية، ومرات ضد الفرق الإسرائيلية، كما حصل غير مرة في إسكتلندا وإسبانيا والبوسنة وجنوب أفريقيا. وكذا الثوب الفلسطيني الذي أصبح لباس المرأة الفلسطينية في المناسبات الوطنية والدينية، يوحّد الداخل والخارج بهوية واحدة، ومثله الدبكة الفلسطينية التي باتت تنتشر في وسائل الإعلام الأجنبية ومواقع التواصل الاجتماعي بكثرة أخيراً.

لا ننسى رسومات الفنان البريطاني «بانكسي» على أجزاء في جدار الفصل العنصري الذي بنته إسرائيل في الضفة الغربية وأيضاً رسماً كاريكاتورياً لـ «حنظلة»، بطل رسام الكاريكاتور ناجي العلي، والذي ظهر أخيراً في جريدة «الغارديان» البريطانية في معرض الحديث عن مئوية «وعد بلفور»، وفيه يحمل حنظلة شمعة يحاول رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو ورئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي عبثاً النفخ عليها لإطفائها.

تدويل هذه الرموز الوطنية وانتشارها على مستوى العالم موقف من القضية الفلسطينية، وجهه الآخر فشل إسرائيل في قتل الفلسطيني ورموزه بكل ما فيها من دلالات تضرب في عمق التاريخ وتربك الرواية الإسرائيلية النائمة على تاريخ مزور وهوية مخترعة.

وهي حالة تنبّهت إليها شعرية محمود درويش في حوار متخيّل مع قاتِلتِه الجندية الإسرائيلية، إذ صاحت فجأة به:

«هو أنتَ ثانية؟ ألمْ أقتُلْك؟

قلتُ: قتلتِني... ونسيتُ، مثلك، أن أموت».

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة