|   

النسخة: الورقية - دولي

أفترض أن بعضاً من القرّاء لا يعرف دلالة عنوان هذا المقال، فلأوضّح. بعد أشهر من انهيار ثلاثة جيوش عربية في مواجهة إسرائيل عام 1967، أصدر الراحل صادق جلال العظم كتاباً صغيراً بعنوان «النقد الذاتي بعد الهزيمة» كان له تأثير مدوّ علينا، نحن جيل الشباب آنذاك. تأثير مدوّ، نعم، لكنه لم يمنع صعود جيل من السياسيين من الوقوع في هزائم مُذلّة أكبر امتدت إلى يومنا. الجيل الذي سبقنا اعترف بهزائمه، لكنه استخدم تعابير درامية: «نكبة فلسطين»، أو ملطّفة: «نكسة حزيران». أمّا جيل القادة الذي عشنا تحت رحمته، فقد كان يتعاطى مع الهزائم بوصفها انتصاراً، وهو مدين بذلك إلى الجمهرة التي وافقته على ذلك. من جيلنا ظهر من احتفى بإطلاق صدام حسين ثلاثين صاروخاً سقطت على منازل مدنيين في إسرائيل وكان ثمنها تدمير الجيش العراقي. من جيلنا من افتخر بنظام البعث العراقي الذي وقّع على اتفاقية استسلام بعد هزيمته في الكويت لأن حرب تحريرها كانت «المنازلة الكبرى» في «أم المعارك». من جيلنا وجيلين لحقانا ظهر من احتفى بتدمير نصف البنية التحتية للبنان عام 2006 لأن حزب الله نجح في إصابة إسرائيل بصواريخه. ومن هذه الأجيال الثلاثة ظهر من يحتفي اليوم بانتصار نظام البعث السوري على شعبه بوصفه انتصاراً للتيار «المقاوم» لإسرائيل وأميركا. يسهل أن نسمّي النقد «نقداً ذاتياً» فيما هو ينطوي على نقد للآخر وتبرئة، قد تكون مراوغة، للنفس. لم يكن بوسع جمال عبد الناصر الوقوف بوجه الغضب الشعبي بعد هزيمة حزيران، فأحال «النقد الذاتي» إلى نقد لخيانة وتقاعس مسؤولين وضباط كبار، نقد لحاشية القائد التي حجبت عنه مطالب ومصاعب ومصائب أبناء بلده، ونقد للسلاح السوفياتي الذي لم يكن ليستوي مع نظيره الأميركي لدى إسرائيل. ولكن، باستثناء المعارضة الثورية اليسارية في مجملها آنذاك، لم يكن ثمة حديث عن الحاكم نفسه أو عن النظام العسكري/ البيروقراطي الفاسد الذي أنشأه وكان أسّ الهزيمة. كل ذلك بدا انحرافاً عن مسيرة صائبة في جوهرها.

تعلّمنا من الهزائم أن ثمة دورة حياة مجتمعية تمهّد للهزيمة، ثم تحاول امتصاص صدمتها حين تحدث، ليليها التأمل ومحاولة استيعاب الدرس.

الكرد الآن في مرحلة امتصاص الصدمة ولعق الجراح، مرحلة التوحّد في الإحساس بالهزيمة أيا كان موقفهم من قيادة بارزاني وممّا جرى من أحداث. من المؤكد أن بغداد لم تمثّل للكردي ما تمثّله إسرائيل للعرب. لكن لهجة التشفّي اللئيمة التي تنضح من سعار مجلس النواب وقرارات الحكومة التي تتعمّد إذلال الكرد والفرح الذي تعبّر عنه عشرات المقالات وما لا يحصى من التعليقات العربية على صفحات التواصل الاجتماعي بالانتصار على أربيل، كفيلة بأن تراكم حقد الكردي على العراق وتشعره بأنه مهزوم، مثلما راكم حقد العرب على الأكراد تلويح بعض من الأخيرين بالعلم الإسرائيلي من دون تدخّل من السلطات الكردية.

في مرحلة امتصاص الصدمة هذه، تُكثر تعليقات من عارضوا بارزاني من شحنات الأسى، تصفه قائداً شجاعاً ضحّى بموقعه رئيسا للإقليم من أجل تحقيق حلم الدولة لولا... وهذه الـ «لولا» تعني: لولا تفوّق العدو من حيث العدّة والعدد، لولا المستشارون الفاسدون أو الجهلة، لولا تآمر الخارج ضدّنا، لولا خيانة أو تقاعس بعض القياديين. تستثني هذه الـ «لولا» القائد من تحمّل المسؤولية، تستثني فساده ونظام حكمه. ونشهد منذ الآن كيف يحاول القائد تسويق الهزيمة بوصفها نصراً. فقد تعارف الكرد على وصف انهيار الحركة المسلّحة الكردية ضد نظام البعث عام 1975 بـ «النكسة». أما الآن، فإن السيد مسعود بارزاني يصف الاستفتاء الكارثي بأنه «ثبّت حق الكرد في تقرير مصيرهم» مؤكّداً أنه غير نادم على إجرائه.

ثمة حقيقة لا يمكن أي متابع لما يدور تجاهلها، مفادها أن الكردي يشعر بأنه مهزوم ومُذَل. وضع الأكراد الآن، لا يشبه فقط، بل يتطابق مع، وضع العرب غداة هزيمة حزيران 1967: قائد مهووس بالزعامة ودخول التاريخ ضلّل شعباً مؤيداً له بأنه يوشك على تحقيق حلم ساوره طوال قرن. أوهمه بأنه سينام مواطناً في إقليم تابع لدولة أخرى فيصحو بعد عامين مواطناً في دولة مستقلة. قائد قزّم قدرات العدو وضخّم قدراته ووعد بتلقين المعتدي درساً قاسياً. جموع تحتفي وتنتشي بالانتصار والاستقلال الذي بات على مرمى حجر. ثم صحا الكردي ليكتشف أن العدو على أبواب عاصمته وأن على دولته التنازل عن حقوق اكتسبتها طوال عقد ونصف العقد.

هذا الخدر التالي للهزيمة يثير قلق من يتمنى للكرد أن ينهضوا من جديد: لم تخرج تظاهرة تطالب بمحاسبة المسؤولين عما حدث، لم يحصل اعتصام أمام مبنى حكومي يتساءل عن مصير المناطق التي سُمّيت «متنازعاً عليها». حتى في السليمانية حيث تتمتّع كوران، الحركة الكردية الوحيدة التي تستحق أن تسمّى حركة معارضة ديموقراطية، بشعبية واسعة، لا تحرّكات أو ردّات فعل جماهيرية على فساد حكّام الإقليم ونظامهم الإستزلامي. مثير للدهشة أن التظاهرات المطالبة بدفع رواتب المعلمين أو الموظفين هناك لم تتحوّل إلى حركة جماهيرية ضد الفساد.

وهذا الخدر هو ما يوجب على المثقفين والسياسيين الديموقراطيين الكرد إجراء نقد ذاتي لتجربة أكثر من ربع قرن من حكم الأكراد لأنفسهم بعد 1991. أدعوهم للتأمّل في ما يلي: حفر قادة كردستان قبر دولتهم بأيديهم حين استمرأوا إقامة دولة سوبر ريعية ارتهن مصيرها بعوائد نفط كركوك. انزلاق اقتصاد كردستان نحو الريعية بدأ منذ تكوّن النظام السياسي العراقي بعد إسقاط نظام البعث حين كان قادة الإقليم يحصلون على 17 في المئة من ميزانية العراق الريعية هي الأخرى ويصدّرون حوالى مئتي الف برميل من نفط كردستان إلى الخارج. وكأي دولة ريعية، كانت هذه الموارد كفيلة بتحويلها إلى رب عمل تعتمد معيشة الغالبية الساحقة من السكّان عليه. وإذا صحّ الرقم الذي قدمته حكومة كردستان إلى بغداد عن عدد العاملين لديها وهو 1,3 مليون شخص، فهو يعني أنها، وعدد نفوسها يتجاوز الخمسة ملايين بقليل، سبقت العراق بأشواط في ريعيتها. إضرب عدد العاملين لدى الدولة في عدد أربعة، كمتوسط لعدد أفراد الأسرة الواحدة وستصل إلى رقم يكاد يعادل كل سكان كردستان. فوق الإقتصاد الريعي أنبنت منظومة سياسية واجتماعية تتساوق معه. انهار ما تبقّى من قطاع زراعي كان مزدهراً إذ بات مغرياً للمزارع أن يجد عملاً، وإن وهمياً، لدى الدولة. وما عاد بوسع من يريد البقاء في ميدان النشاط المنتج الوقوف بوجه طوفان الواردات القادم من تركيا وإيران بفضل وفرة موارد الريع النفطي. ومنظومة الريع هذه كانت في أسّ فساد واستبداد الدولة الكردية. فغياب الرقابة على موارد النفط حوّل منظومة الحكم إلى إقطاعية عائلية تتغوّل على الأتباع وتوزّع مكارمها على الموالين، وقادة الحكم وأسرهم صاروا مالكين أو مساهمين في قطاع الإتصالات وفي مجالات عمل القطاع الخاص. وتحوّلت منافذ الاستيراد عبر إيران وتركيا إلى غنائم يتقاسمها قادة الاتحاد الوطني الكردستاني في الشرق وقادة الحزب الديموقراطي الكردستاني في الشمال.

بناء مصفاة نفط تسد حاجات كردستان عوض الاستمتاع بعوائد تصديره خاماً، أو تمكين الزراعة من منافسة السلع المتدفّقة من تركيا وإيران كانت ستقرّب كردستان خطوة نحو بناء الدولة أكثر من الإستفتاء، أو أنها كانت ستخفّف من مصاعب الحصار، وإن لم تقضِ عليها، وكانت ستمنع الإقليم من هذا الانهيار المريع.

هذا البناء السياسي- الاقتصادي المتعفن هو الذي قضى على كركوك كرمز لحق الكرد فيها. مدينة كركوك متعددة القوميات ولا غلبة سكانيّة للأكراد فيها. لكن محافظة كركوك ذات غالبية كردية بسيطة وفق إحصاءات سكانيّة مقبولة. كركوك كانت سبب انهيار اتفاقية آذار 1970 للحكم الذاتي بين نظام البعث والملاّ مصطفى بارزاني. وتشبيه مكانة كركوك للأكراد بمكانة القدس للمسلمين لم يكن اختراعاً للراحل جلال الطالباني، بل إن مطلقه كان طارق عزيز نائب رئيس الوزراء في عهد البعث حين قال للطالباني إن الكرد لن يحظوا برؤية كركوك إلا إن حلّقت طائرة تقلّهم فوقها مثلما هو حال المسلم تجاه القدس. كركوك 2017، لم تعد كذلك بل صارت مصدرا للريع أمَلَت قيادة كردستان أن يكون بديلاً عن حصّتها من موازنة العراق. كركوك، التي يتطلّب وضعها ألاّ تدار مركزياً من بغداد ولا أن تلحق بكردستان، تحوّلت إلى بئر نفط تتصارع حوله بغداد وأربيل. والصراع على بئر النفط لم يعد صراعاً على الموارد المالية، بل صراعاً على التحكم بمواطنين باتوا يعتمدون في معيشتهم على تلك الموارد.

وفي صراع كهذا، كان لا بد لبغداد أن تنتصر ليتحوّل الكردي من معتمد على ريع يمر عبر وسيط هو حكومة الإقليم إلى معتمد عليه قادماً من بغداد مباشرة.

 

 

* كاتب عراقي

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available