|   

النسخة: الورقية - دولي

تقول إحصاءات أعدتها مراكز بحوث غربية إن ما جرى تصنيفه من أحداث في أفريقيا انقلابات عسكرية لا يزيد عددها بأي حال على نصف عدد ما صنف على هذا النحو قبل سنوات. بمعنى آخر، لا تزال هذه الأوساط الأكاديمية الغربية، وبعضها متأثر بما تبشر به هيئات وأجهزة أميركية وأوروبية معروفة، متمسكة بعقيدة تعتبر الديموقراطية الليبرالية تياراً عالمياً متمكناً وصاعداً باستمرار. هذه الأوساط لا ترى، وربما ترى وتتجاهل، أحداثاً وتطورات التعمق في دلائلها وتفاصيلها قد يفند هذه العقيدة الليبرالية ويثبت أن العكس هو الحادث فعلاً.

كتبت سطور هذه المقدمة بعد مرور أكثر من أسبوع على تحرك قام به جيش زيمبابوي بدعوى الحاجة إلى تطهير البلاد من جماعة فاسدة نهبت وسرقت وهربت أموالاً وغسلت الكثير منها. لفت نظري، وأنا الذي لم يبتعد كثيراً من السياسة في إفريقيا، أن من أسماهم قادة الانقلاب بجماعة فاسدة هم أفراد يحيطون بزوجة الرئيس روبرت موغابي، وجميعهم مجمعون على منع وصول نائب موغابي في الحزب إلى منصب الرئاسة في الانتخابات القادمة. كلهم في الوقت ذاته عقدوا العزم على أن تحل السيدة غريس موغابي زوجة الرئيس محل الرئيس، في حال اختار الرحيل عن منصبيه في الحزب والدولة.

اتصلت بديبلوماسية قضت فترات مطولة من خدمتها في أفريقيا. سألتها السؤال المباشر الذي سيطر على تفكيري خلال الأيام الماضية، سألتها إن كانت تصنف أحداث زيمبابوي انقلاباً عسكرياً، وبالتالي تعتبرها استثناء من القاعدة التي استجدت قبل عشرين عاماً وصكت نهاية لعصر الانقلابات العسكرية في العالم النامي. سألتها إن كانت تعتقد أن الأحداث سوف تنتهي بالتوصل إلى تسوية سريعة تقضي بعودة الجيش إلى ثكناته وعودة الرئيس إلى مهماته مقابل تشكيل لجان في الحزب ومحاكم في الدولة للتحقيق في الجرائم المنسوبة لزوجة الرئيس وجماعتها في الحزب والدولة.

لم تخب الصديقة ظني. كنت أعرف أنها بحكم دورها في صياغة فكر سياسي جديد في القارة الإفريقية يرفض مبدأ الانقلاب العسكري كأداة للوصول إلى الحكم ودورها في إنشاء أجهزة في الاتحاد الأفريقي تنفذ هذه القواعد وتفرض احترامها، لن تجد للعسكريين في زيمبابوي أي عذر ولن تقبل أي احتجاج منهم على ما يقوم به السياسيون. كانت في ردها مؤيدة المساعي التي قامت بها حكومة جنوب أفريقيا منفردة ثم ضمن مجموعة عمل تضم وزراء خارجية كل من أنغولا وزامبيا وتانزانيا وجنوب إفريقيا. سمعتها تشرح بحماسة عمق التزام حكام أفريقيا المعاصرين مبدأ احترام الدستور ومن خلاله تعهدهم التمسك بقاعدة تداول السلطة. راحت تقدم دليلاً آخر على استقرار هذه المبادئ الجديدة في العقل السياسي الأفريقي. قالت: «تسألني عن حالة واحدة، حالة زيمبابوي. دعني أؤكد لك أنه في كل هذه القارة لا يتهدد الاستقرار إلا في دولتين، إحداهما غينيا الاستوائية حيث تدهورت الحالة الاقتصادية بشكل مريع وتعددت المذابح بسبب الانتماءات الدينية وانتشرت الفوضى وعمت البلاد موجات جرائم خطيرة، أما الدولة الثانية فهي الكاميرون. هنا في الكاميرون تتعقد الأمور لأن الغضب الشعبي عارم، ولأن الناطقين بالإنكليزية يطالبون بحقوق حرمتهم منها الدولة سنوات طويلة، ولأن الدولة ما زالت تعاني آثار اعتداءات بوكو حرام الإرهابية التي استنزفت طاقة البلاد».

تناقشنا طويلاً. صرت بطول المعاشرة والممارسة أفهم منطق الديبلوماسيين في التعامل مع قضايا السياسة الداخلية. أفهم أيضاً المنطق الذي أصبح يعتمده معظم مراكز الأبحاث المرموقة في العالم الغربي، وهو منطق لا يختلف كثيراً عن منطق الديبلوماسيين في غالبية دول العالم النامي. كلهم، الديبلوماسي الأفريقي والآسيوي والأميركي اللاتيني والباحث الغربي الجديد، يركزون على مسألة استقرار النخبة السياسية في الحكم.

يعني مثلاً أن دولة في غرب أفريقيا المجتمع فيها في حال فوضى رهيبة، الأمن مختل. الجريمة منتشرة. الأشقياء تحصنهم قوى سياسية أو مالية أو مصالح أجنبية يفرضون النفوذ ولا يحترمون القانون يهيمنون على مناطق الحدود وينهبون ثروات البلاد. تسيطر على حدود هذه الدولة ودول أخرى في إقليم الساحل عصابات إرهابية وجماعات جريمة تتاجر في المخدرات والسلاح. الباحث والديبلوماسي يريان هذه الدولة مستقرة لأن الجيش لم يتدخل. الجيش «الوطني» لا يتدخل لأن القوات الأميركية أقامت قواعد عسكرية على أراضي البلاد تدعم الوجود العسكري الفرنسي. أي أن أمر هذه البلاد عاد إلى سلطة القوى العسكرية الغربية، ولا سلطة محلية أخرى مسموح لها بالتدخل لاستعادة استقرار حقيقي أوسع وسلام أوفر. وعلى كل حال إذا حدث وتدخلت فهي مدانة بارتكاب تنفيذ انقلاب عسكري مخالف لما نصت عليه القواعد الديبلوماسية الدولية والإقليمية. قابلت باحثين غربيين يسألون: «ما حاجة البلد الأفريقي إلى انقلاب عسكري طالما هناك قوى عسكرية أجنبية في البلاد تحمي استقرار الحكم؟».

خرج في البرازيل قائد عسكري كبير يعلن أن الجيش لن يقف طويلاً ساكناً لا يتحرك بينما الفساد يبدد ثروة البلاد. خرج قائد ثان آخر ليقول ما كان يمكن أن يوقعه في ورطة مع القضاء ورجال القانون، قال ما معناه إن البلاد تحن إلى أيام مجد عظيم، أيام كان الجيش فيها يحكم البلاد. سمعت عسكريين آخرين يصدرون أحكاماً شخصية تدين الوضع السياسي القائم. كل هذا، بالإضافة إلى وقائع ملموسة مثل اتهامات تدين السنيور ميشال تامر رئيس الدولة وجماعة تحتضنه أو يحتضنها بممارسة فساد خطير. في وقت لم تكن محاكمة السيدة ديلما روسيف الرئيسة السابقة للدولة المتهمة هي الأخرى بارتكاب فساد سياسي قد انتهت من أعمالها.

وصلني رأي له وجاهته فاحترمته وقدرته. يقول الخبير الدولي في مؤسسة اقتصادية دولية إن انقلاباً عسكرياً لا يمكن أن يحدث في البرازيل بخاصة ولا بأي دولة أخرى في أميركا اللاتينية في الأجل المنظور. أما أسانيد رأيه، فهي أن المجتمع المدني البرازيلي قوي وفاعل إلى حد يردع أي قائد عسكري يحلم بالاستيلاء على السلطة السياسية. قال أيضاً إن مجتمعات عديدة في العالم تتعرض الآن لهجمة عنيفة من تيارات وحركات يمينية ومتطرفة. علقت برأي من بعيد وليس من واقع ملامسة يومية. أبديت شكوكي في صحة القول إن المجتمع المدني لا يزال قوياً في البرازيل، كيف يكون قوياً وأهم أعمدته مدانة هي نفسها بالفساد. أما الفكرة القائلة بأن البرازيل مثل غيرها من المجتمعات تتعرض لهجمة شرسة من اليمين المتطرف فلعلها في حالة أميركا اللاتينية فكرة قد تنفي نفسها بنفسها، إذ إنه في أميركا الجنوبية لا يمين يمكن أن ينشأ وينمو على يمين المؤسسة العسكرية. هي دائماً تحتل أقصى اليمين ولا مساحة تتسع ليقوم يمين على يمينها. ما أريد قوله في الحالة البرازيلية، وأراها تنطبق على دول أخرى في القارة مثل فنزويلا وبيرو وكولومبيا، هو أن مزاجاً انقلابياً عاد إلى القارة العتيدة، القارة التي قدمت للبشرية الانقلاب العسكري أسلوباً ناجعاً لفرض الاستقرار السياسي، ولو إلى حين.

دعونا نقر بأن مفاهيم عديدة استبدلت أسماءها بأسماء جديدة خلال سنوات العولمة وفي غمرة التحولات الدولية الهائلة. أتصور أن مفهوم الانقلاب كان على رأس هذه المفاهيم. يعني مثلاً، وبكل الصراحة الممكنة، حدثت في السنوات الأخيرة في معظم الدول العربية تغيرات في هياكل السلطة السياسية وبرامجها وتحالفاتها باستخدام أساليب غير دستورية، أو فلنقل غير مألوفة عرفاً أو شرعاً. لم نطلق على واحدة منها التعريف الذي تستحقه. هل هو انقلاب سياسي أم انقلاب سلطة أم انقلاب فرد. أهو انقلاب قصر أو انقلاب في الحزب الحاكم. هو انقلاب إذا لم يستخدم أدوات الشرعية ولم يفرض التغيير بالقوة أو بأدوات الأمن أو بالقمع المتعمد أو بالتعبئة الطائفية والحشد العنصري والمذهبي.

أزعم أننا كمعظم الأفارقة نعيش سياسياً حالة انقلابية. يحدث التغيير، ولكن لا جيوش ظهرت في الصور ولا بيانات عسكرية أذيعت ولا قادة وزعماء جاؤوا ليحكموا مرتدين ملابس العسكر.

 

 

* كاتب مصري

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة