|   

النسخة: الورقية - دولي

درسنا السياسة نظرياً في الجامعة وتعلمناها معملياً على وقع حوادث المجتمعات العربية، فلم نكن في حاجة الى أفضل منها من وقائع تختبر صحة الفرضيات والنظريات بل زاد عليها أن العلوم السياسية باتت هي نفسها على عتبة تغيير المناهج والأطر التي ألفتها على مدار عقود طويلة على وقع ما يحدث في هذه المجتمعات بهذا الزخم الذي يرتبط بكل ما له علاقة بالأزمات في العالم أياً كانت أزمات فقر وتخلف أو لاجئين وإرهاب أو حروب أهلية.

فمأساة السوريين ومن قبلهم العراقيون تؤكد أنه من دون الوطن يكون الموت أرحم من البقاء كلاجئ مشرد أو العيش تحت نير الحروب والاستبداد. ولكن، أي وطن؟ فالوطن كجغرافيا وسكان، مثل النباتات التي تحتاج إلى المياه التي من دونها تذبل وتموت أو تنقرض. وما يحدث من حولنا لهو خير برهان على ذلك، فما الذي يمنع الأوطان عندنا من أن تعيش بشكلها الطبيعي؟ هنا تتعدد المسببات التي يأتي على رأسها الأطماع الخارجية والحروب وغيرها، إلا أن الاستبداد وحكم الفرد أثبت أنه كان له القول الفصل في انهيار عدد كبير منها، على رغم صدق وطنية هؤلاء الحكام وإخلاصهم، إلا أن ذلك لم يكن وحده كافياً لعملية الحكم التي تحتاج إلى ترجمته إلى حقائق على الأرض يشعر بها من يعيش ليس في شكل تنمية وغيرها فقط وإنما في شكل بناء الدولة كمؤسسات وقوانين تحقق الأمن والاستقرار والعدل بين أبناء الوطن الواحد. فإشكالية الماضي عندنا أن طغيان الفرد كان يأتي على حساب هذه الأسس الجوهرية التي من دونها يسهل تفكك وضياع أي مجتمع في وسط عوامل أخرى كثيرة. فكلما زادت سلطة الفرد وهيمنته تراجعت المؤسساتية وحكم القانون. فالحكم الرشيد القوي يترجم قوة الحاكم في تقوية دولته ومجتمعه مِن طريق هذه المؤسسات.

إلا أنه للأسف، الحكام على مدى العقود الستة الماضية كانوا أنانيين ولم ينظروا غير لأنفسهم ونحّوا المستقبل جانباً وإن طغت الوطنية على أحاديثهم حتى راحوا هم أنفسهم ضحية لهذا القصور في الرؤية، مثلما حدث مع صدام حسين في العراق ومعمر القذافي في ليبيا.

كل منهما تعدى حكمه العقود، إلا أنه لم يحافظ إلا على سلطويته فقط التي جاءت على حساب الدولة كمجتمع تحكمه المؤسسات والقوانين.

مناسبة هذا الكلام أننا نَمُرُّ كمجتمعات عربية بمرحلة انتقالية بعد زلزال الثورات التي ما زالت توابعها سارية حتى الآن. إلا أننا سنركز هنا على حالتين قد يبدو الاستشهاد بهما غريباً: الأول مرتبط بالشعب الفلسطيني والثاني مرتبط بكردستان العراق والاستفتاء الذي حدث أخيراً للانفصال. ومع الفارق الكبير طبعاً بين تقرير المصير عند الفلسطينيين مِن محتل، وما حاول أن يقوم به الأكراد بالانفصال عن جسد الدولة الأم. لا، فالقضية في أزمتهما تبدو أكبر من كل من الشعبين، فالأكراد كعرقية مسلمة سنية يعيشون في الوطن الأم العراق على رغم بعض المشكلات والأضرار التي سببها حكم الفرد لهم رداً على محاولتهم الانفصال، إلا أنهم في وضعيتهم الحالية إذا كانوا يهربون من حكم الفرد فأين سيذهبون؟

سيخضعون أيضاً لحكم الفرد والعشيرة (آل بارزاني) المسيطرة على الإقليم كأقلية انفصالية وسياسية منذ عقود. بل إن العراق الآن حتى بما فيه من مشكلات بعد الحالة المَرَضيّة التي يمر بها، يبدو مهيئاً أكثر نحو الديموقراطية وتداول السلطة من الإقليم نفسه في حال نجحت عملية الانفصال التي قام بها آل بارزاني لأنهم سيحولونها إلى ديكتاتورية داخل أسرتهم وعشيرتهم.

وبالنسبة إلى الشعب الفلسطيني، نجد جزءاً كبيراً من مشكلته الأساسية تكمن في زعمائه الذين بحكم المواقع التي يحتلونها والمنافع التي يجنونها جنحوا إلى السلطوية، فتسيطر على قطاع غزة جبراً حركة «حماس» التي جعلت من فوزها في انتخابات 2006 صكاً لاستعباد الفلسطينيين مدى الحياة.

وتحكم السلطة الوطنية برئاسة محمود عباس الضفة الغربية، وبات الاستئثار بالزعامة على مدار السنوات العشر الماضية يبعد أي حلول للتقارب بين الضفة والقطاع نتيجة الانقلاب على السلطة الوطنية. فتداول السلطة كان سيشكل نقلة كبيرة في طريق بناء الفلسطينيين دولتهم، لولا أن سكرة الإيمان بالزعامة والسيطرة عند «حماس» أفقدتهم صوابهم وجعلتهم فوق الجميع من أبناء وطنهم الجريح ليتحولوا إلى أداة وظيفية تحقق أغراض دول تدعي أنها تدافع عنهم وهي لم تضبط يوماً تفعل ذلك على أرض الواقع. وأصبح الفلسطينيون بعد عقد من الصراع في ما بينهم يلهثون أولاً وراء المصالحة على حساب هدف تحرير أرضهم؛ على خلفية هذه الأمراض البينية سواء في شكل الأيديولوجية الدينية أو الزعامة أو تدخلات الخارج.

نهضة الأوطان لا تحققها الأيديولوجيات الصفرية والنزعات العنصرية، وإنما بالقبول بجغرافية الوطن الواحد الذي يقبل بالاختلاف والعيش المشترك الذي هو السمة الأساسية للبشر، صغرت تجمعاتهم أم كبرت. فهل نتعلم من دروسنا، أم نصرّ على الدوران في هذه الحلقة المفرغة من الاستبداد والتفكيك والهدم؟

 

 

* كاتب مصري

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة