|   

النسخة: الورقية - دولي

منذ القرن الخامس عشر، تعاقبت على موقع عملة الاحتياط الدولي ست عملات هي البرتغالية والإسبانية والهولندية والفرنسية والبريطانية وأخيراً الأميركية. وارتبطت فترة كل عملة بنفوذ الدولة التي تعود إليها وقوتها المالية والسياسية والتجارية والعسكرية. وعندما أفلت قوة هذه الدولة أفلت معها أهمية عملتها. وكانت كل تلك العملات إما من الذهب أو مغطاة بالذهب باستثناء الدولار الأميركي الذي فك ارتباطه بالذهب عام 1973. وفي العادة لا يتم انحسار عملة الاحتياط في شكل مفاجئ وإنما يتطلب وقتاً حتى يتبلور الدور لعملة أخرى.

وعلى رغم استمرار موقع الولايات المتحدة في العالم كأكبر قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية، يبدو أن هناك نظام نقدي عالمي في طريقه إلى التكوين. إذ بدأت 23 دولة (تشكّل بمجموعها 60 في المئة من إجمالي الناتج المحلي العالمي وتشمل دولاً مهمة مثل الصين وروسيا والهند وحتى ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة)، بإنشاء خطوط مبادلة Swap Lines يتم بواسطتها تمويل التجارة والتحويلات المالية متجاوزة بذلك الدولار والـSwift (نظام تحويلات مالية على مستوى العالم يعتمد على الدولار). وعندما يكتمل هذا النظام ويوضع موضع التنفيذ، لن تحتاج هذه الدول الدولار كعملة احتياط دولي وبعدها ستعود كل الدولارات الموجودة في حساباتها الخارجية إلى الولايات المتحدة وقد يكون لذلك آثار كارثية على النظام النقدي الأميركي.

كما أعلنت الصين حديثاً أنها ستتوقف عن شراء سندات الحكومة الأميركية ما سيضطر نظام مجلس الاحتياط الفيديرالي إلى طبع مزيد من الدولارات للتعويض عن تضاؤل قدرته على الاستدانة من الخارج. وتحولت الصين عوضاً عن ذلك إلى الذهب الذي تشتريه الآن بنهم كبير.

لا شك أن الأزمة المالية العالمية التي بدأت في الولايات المتحدة في أواخر عام 2007 وطاولت آثارها كل العالم، ولا زالت الدول تدفع ثمنها بأشكال مختلفة من ضعف معدلات النمو الاقتصادي وبطالة وتراجع في حجم التجارة الدولية، كان سببها السياسات المالية والنقدية غير المبالية للولايات المتحدة والتي أفقدت الدول الثقة بالدولار وبقدرة الولايات المتحدة على قيادة العالم مالياً، كونها المركز المالي العالمي ودولة الدولار الذي يمثل عملة الاحتياط الدولي.

ولتسهيل عملية تحويل العملات وخطوط التبادل التجاري قامت الصين ودول «بريكس» الأخرى بتأسيس بنك «بريكس» في 2014 وبدأ العمل في 2015. ومن ضمن أهدافه تسهيل حرية التجارة بين هذه الدول من دون الحاجة إلى استعمال الدولار. وسيؤدي هذا البنك دور مصرف للتسويات المالية الدولية وآخر مصدر للأقراض. وبذلك يحل محل بنك التسويات الدولية B1S وصندوق النقد الدولي IMF اللذين يقومان بهذه المهمات تحت سلطة الدولار.

ويرى بعض المراقبين أن العائق الوحيد الذي يقف في وجه الرفض العالمي النهائي للدولار هو موقف المملكة العربية السعودية وبقية دول «أوبك» التي ترتبط باتفاق البترو- دولار مع الولايات المتحدة منذ عام 1970. ولكن بعضهم يرى أن حتى السعودية يمكن أن تعيد مفاوضاتها مع الولايات المتحدة في ضوء التطورات العالمية.

ومنذ أيلول (سبتمبر) 2016 عندما أنهى الاتفاق بين الصين وروسيا معاملات النفط بينهما بالدولار، شهدت الأشهر الـ14 الأخيرة زخماً متسارعاً باتجاه وضع البنية التحتية للاستعاضة عن الدولار في شكل كامل في المعاملات الدولية.

وفي الخطاب الذي ألقاه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في قمة مجموعة الثمانية للتعاون الاقتصادي 8-D (مجموعة اقتصادية تشكلت في 1997 وتضم ثمانية من الاقتصادات الناشئة في العالم الإسلامي هي تركيا وإيران وباكستان وبنغلادش ونيجيريا وإندونيسيا وماليزيا ومصر) سلط الضوء على أهمية استخدام العملات الوطنية بالتجارة مبيناً أنه سيكون لذلك تأثير إيجابي على اقتصادات الدول الأعضاء كما أنه سيحدث ثورة في العلاقات التجارية.

كما طلب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أيلول الماضي أن تصدر الحكومة تعليمات تجعل من الروبل العملة الرئيسة في التداول في كل الموانئ البحرية الروسية بدلاً من الدولار اعتباراً من العام المقبل.

ويرى محللون استراتيجيون من «بنك اوف أميريكا» أن اليورو والين يزيحان بهدوء الدولار كملجأ آمن. كما يميل المستثمرون منذ العام 2014 إلى استعمال الين واليورو لتمويل العمليات التجارية بدلاً من الدولار. وما ساعد في إزاحة هيمنة الدولار اتباع المصرفين المركزيين في الاتحاد الأوروبي واليابان سياسات نقدية سهلة في وقت بدأ نظام الاحتياط الفيديرالي بالتحول عن سياسة الحوافز. ويرى المتابعون للموضوع أن الدولار لم يعد ملجأ آمناً كما كان في السابق، إلا إذا كان الخطر مصدره الصين أو كوريا. ووفق المعايير المستخدمة في هذا الصدد أظهر الذهب وضعاً أفضل من الدولار كملجأ آمن.

ففي وقت يشهد توجهاً متنامياً للاستغناء عن الدولار في المعاملات التجارية وكملجأ آمن لحفظ الثروة، هل ستسمح الولايات المتحدة بهذا التحول وهي ما زالت في أوج قوتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية، أم أنها قد تلجأ إلى كل الخيارات لعكس هذا الاتجاه بما فيها خيار الحرب؟

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available