|   

النسخة: الورقية - دولي

الرئيس دونالد ترامب مسرور بشدة بسبب الاحترام الذي يقول إنه لقيه في جولته الآسيوية التي استمرت من 5 إلى 14 الشهر الماضي، وشملت حضور قمة منتدى «آبيك» في فيتنام.

وطبيعي أن يكون نيل الاحترام مصدر سرور لكل إنسان. ولكنه ليس طبيعياً أن يباهي رئيس دولة عظمى انفردت بقمة النظام العالمي نحو عقدين، وما زال كثيرون يرونها الدولة الأكبر فيه، باحترام يناله ويعتبره مصدراً للفخر. المفترض في العلاقات الدولية أن تفخر بلدان صغيرة بأنها تلقى احترام الدول الكبرى، وليس العكس.

غير أن المشكلة ليست في شخصية ترامب وسلوكه فقط، بل في تغير يحدث في دور الولايات المتحدة وموقعها العالمي، وينبئ بتراجع المكانة العظيمة التي حظيت بها منذ صارت إحدى القوتين الأكبر في النظام العالمي بعيد الحرب العالمية الثانية.

تقوم مكانة الدولة الكبرى، أو العظمى، على ركائز اقتصادية ومالية وعسكرية وسياسية وثقافية – حضارية. ولكن الثقة بالدولة أهم ما ترتكز عليه مكانتها، وفق الخبرات المتراكمة في العلاقات الدولية، وكذلك ثقتها بنفسها وقدراتها. ومؤخراً اهتزت هذه الثقة وتلك في حالة الولايات المتحدة.

يلاحظ حلفاء الولايات المتحدة وأصدقاؤها أنها تتخلى عن بعضهم حين يتعرضون للخطر، أو تتركهم بلا غطاء حين لا تسمح توازناتها السياسية، أو خلافها معهم على موقف أو آخر، بالوقوف إلى جوارهم إزاء تهديد جسيم. وليس تخليها عن الأكراد في العراق، فيما تستغل حكومة بغداد الاستفتاء على انفصال إقليم كردستان للتنكيل بهم، الأول من نوعه. لم تتدخل حتى عندما تعمدت الحكومة الاتحادية إذلالهم، وهم الذين كانوا يُعدون أقرب حلفائها إليها في الشرق الأوسط منذ فترة طويلة.

ولعلها ليست مفارقة أن يفقد أكراد العراق الثقة كلياً بواشنطن، إلى حد إعلان رئيس إقليم كردستان المستقيل مسعود بارزاني أن «جبالنا وحدها وقفت معنا»، فيما بدأت إدارة ترامب مراجعة سياسة إدارة أوباما تجاه إيران، واحتواء تداعياتها التي أدت إلى تراجع ثقة دول عربية صديقة بالولايات المتحدة. قد لا توجد مفارقة هنا لأن المؤسسة السياسية الأميركية، التي فعلت اختلالات متراكمة فعلها فيها، باتت تفتقر إلى رؤية واضحة لسياستها الخارجية، واستراتيجية تحكم دورها في النظام العالمي، وليس في الشرق الأوسط فحسب. لذلك لن يكون موقف واشنطن تجاه أكراد العراق الأخيرَ على صعيد تخليها عن حلفاء وأصدقاء.

يشعر أكراد سورية الآن بقلق عميق من إمكان تخلي واشنطن عنهم. عبّر بعض قادتهم عن هذا القلق بدعوات إلى بقاء القوات الأميركية في سورية حتى تحقيق حل سياسي. لكن بقاء الأميركيين من دون رؤية واضحة لا يحول دون وضع «قوات سورية الديموقراطية» ذات الغالبية الكردية بين مطرقة تركيا وسندان نظام الأسد وحلفائه، مع أنها أحد أكثر الأطراف إنجازاً في الحرب على «داعش».

تلتزم واشنطن الصمت تجاه تكرار تركيا إعلان عزمها على تقدم قواتها للسيطرة على عفرين، بعدما أدارت الظهر عندما قصفت طائرات سورية أو روسية (حيث لا فرق في تلك الواقعة) هذه القوات منتصف أيلول (سبتمبر) الماضي.

وليس أكراد العراق وسورية، ودول عدة قبلهم، إلا مجرد أمثلة على تراجع الثقة بالولايات المتحدة. وهذا التراجع ليس محصوراً في الشرق الأوسط، إذ يوجد مثله في شرق آسيا أيضاً. وهو لا يقتصر على الثقة السياسية. الثقة بالتزامات الولايات المتحدة الاقتصادية والتجارية تضعف أيضاً بسبب نقض ترامب بعضها. ولم تفلح جولته الآسيوية في معالجة التصدع الذي حدث في هذه الثقة بسبب انسحاب واشنطن من اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ، على رغم تباهيه بعقود وقَّعها خلال زيارته الصين. فما أن انتهت جولته حتى أعلنت الدول الأخرى في هذا الاتفاق (11 دولة) أنها ستمضي قدماً فيه من دون أميركا.

وثمة تراجع أيضاً في ثقة الولايات المتحدة بنفسها وقدراتها. خذ فقط مثلاً استدارة إدارة ترامب الكاملة في شأن الأزمة السورية في زمن قياسي. لم تمض أشهر قليلة بعد إعلان عزمها على القيام بدور رئيسي في سورية، التي تركتها إدارة أوباما لروسيا وإيران، وتوجيهها رسائل عدة في هذا الاتجاه بعضها عسكري، حتى تراجعت مكتفية بدور ثانوي، بل هامشي، مرة أخرى.

ولذا لا تؤخذ تغريدات ترامب، وتصريحات بعض أركان إدارته عن سورية مأخذ الجد. ولا يثير أي اهتمام الحديث عن عدم وجود مكان للأسد في مستقبل سورية، في وقت تسولت واشنطن أخيراً من دون جدوى موافقة موسكو على استمرار التحقيق الدولي باستخدام السلاح الكيماوي في سورية. فقد استخدمت روسيا «الفيتو» مرتين خلال 48 ساعة ضد مشروعي قرار بتمديد هذا التحقيق لمدة سنة، ثم ضد مشروع لاستمراره شهراً واحداً.

والحال أن تباهى ترامب باحترام شعر به في جولته الآسيوية ليس إلا امتداداً لشعور بعدم الثقة بـ «الذات الأميركية» حفل به خطابه في مناسبات عدة، وتنطق به مواقف تتخذها واشنطن منذ نحو 10 سنوات.

والمعتاد في العلاقات الدولية أنه كلما اشتدت حدة الخطاب، وازداد عنفه اللفظي، كان تعبيراً عن شعور بعدم الثقة. وينطبق ذلك على الخطاب الأميركي الراهن تجاه بعض الأزمات وبصفة خاصة أزمة كوريا الشمالية. ومن مظاهر عدم الشعور بالثقة أيضاً كثرة حديث مسؤولين كبار في الدولة عن قوتها وقدرتها، حتى إذا كانت قوية فعلاً.

ويمتد الشعور الأميركي بعدم الثقة إلى الوضع الداخلي. كان انتخاب ترامب مؤشراً الى عدم ثقة قطاع يُعتد به من الناخبين بالثقافة التي جعلت أميركا الدولة الأكبر والأقوى، لأنها لا تقوم على هوية مغلقة، بل تجمع الهويات وتصهرها في أجواء حرة. لم تخش أميركا الواثقة يوماً وفود مهاجرين إليها من كل حدب وصوب، بل سعت إلى استقدامهم وفتحت أبوابها أمامهم، ولم تضع حواجز ولا بنت أسواراً.

وما انحسار هذه الثقافة لدى عدد متزايد من الأميركيين إلا دليل على تراجع ثقتهم بالنفس، بالتوازي مع انحسار ثقة عدد متزايد أيضاً من أصدقائها وحلفائها بها، الأمر الذي يُهدّد بإفقادها رأس المال الأساسي لمكانة الدولة العظمى في العصر الراهن.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة