|   

النسخة: الورقية - دولي

من عادة المؤرّخين الآن وفي الماضي أن يقسّموا التاريخ إلى عصورٍ فحِقَبٍ فقرونٍ. ويستمرّ التقسيم وفق التواريخ الفاصلة كأن يقولوا: ما قبل الحرب العالمية الأولى أو ما بعد الحرب العالمية الثانية. وهم يقسّمون التاريخ وفق قرارات مصيرية اتخذتها شعوب أو مؤسسات دولية. لكل تقسيم منطقه الذي لا يُثير أسئلة ولا نقاشات خاصة، وهدف المؤرّخين عادة تسهيل عملية البحث وحصر جهودهم البحثية في فترة زمنية أو حدث أو مقارنة الواقع على جانبي حدث مفصلي، قبله وبعده.

يقسّم المؤرخون التاريخ بسكينهم قِطعاً ونحن في إثرهم نُعيد ونقسّم لأننا مثلهم في حاجة إلى فهم أو قراءة، وكلّما كانت «القطعة الزمنية» أقصر سهُلت القراءة وزاد تعقّل المرحلة. لكن هذه العملية التي يُقصد منها رؤية أفضل للتاريخ قد تشوّش الرؤية تماماً أو تضلّل الرائي فلا يعرف العلاقة بين الحوادث المفصلية ولا بين قرارات مصيرية تصدر عن شعب أو أمّة أو مؤسسة دولية. وهكذا هو الأمر بالنسبة إلى فلسطين وشعبها. فهذا العام - 2017 - يكون مرّ على وعد بلفور مئة عام، وعلى قرار تقسيم فلسطين سبعون سنة. يومان في التاريخ الفلسطيني وتاريخ المنطقة يتمّ التعاطي معهما بأطنان من الكلام والكثير الكثير من عدم الفهم الناتج عن نقل الخلف عن السلف وتكرار الكلام ذاته، وعن عدم القدرة على ربط القرارات والحوادث بعضها ببعض أو وصل «قِطَع» التاريخ ببعضها لتُعيده تاريخاً واحداً من مئة سنة مثلاً أو أكثر وليُقرأ على هذا النحو.

تتأكّد الحاجة إلى ذلك كي تصحّ القراءة لأن التجزئة تقطع السيرورات التاريخية وتمنع رؤية القوى التي تُحركها أو تلك المصالح الفاعلة فيها المحددة لوجهة التاريخ ومُخرجاته. فلا يُمكننا مثلاً، فهم الحالة السورية فهماً أدقّ إلا إذا ربطناها بالحالة الفلسطينية، أي ربطها بنكبة فلسطين وربطها بمأساة العراق وأفغانستان والسودان وبما شهدته المنطقة بعد اتفاقية سايكس بيكو، أو أوروبا النصف الأول للقرن العشرين. بمعنى أن تجزيء التاريخ زمنياً وجغرافياً كي نقرأه يجعلنا أقلّ قدرة على الفهم.

ليس خافياً عنّي أن التجزيء لغرض القراءة يُخفي في أحيان كثيرة موقفاً أيديولوجياً أو سياسياً لدى صاحب التجزيء. فأقسام العلوم السياسية في الأكاديميا الإسرائيلية مثلاً تتحدث عن الشرق الأوسط من دون أن تُدرج إسرائيل ضمنه! وأعرف أن هناك من يرفض رؤية المسألة السورية وكوارثها مرتبطةً بما حلّ بفلسطين وشعبها في الأربعينات، على اعتبار أن مُحدث النكبة هو الوافد اليهودي أما مُحدث المأساة السورية وفظائعها فهو عربي بعثي يدّعي الصمود وسواه ـ فكيف يستوي هذا وذاك في الحكم؟ عليه، هناك من لا يتردّد في إنكار وجود مأساة سورية وتطهير عرقي وتهجير وتدمير منهجي للحاضرة السورية بأيدي النظام وحلفائه على نحو أسوأ بكثير مما حلّ بفلسطين وشعبها.

لو أننا خرجنا من التاريخ ولحظته الراهنة وصعدنا فوق سماء الشرق الأوسط ونظرنا إلى مئة سنة مثلاً وأكثر دفعة واحدة، لرأينا العلاقة بين نكبة فلسطين ونكبة العراقيين وتلك التي لا تزال تفتك بالسوريين إلى هذه اللحظة، وتلك التي عصفت وتعصف بالسودان وليبيا واليمن إلى آخر القائمة. ولأمكننا أن نرى أوجه الشبه وأوجه الاختلاف ودور العامل العربي وذاك الأجنبي ولما تردّدنا في التسمية والتوصيف وفي الحكم. لاستوى حديثنا عن نكبة فلسطين مع حديثنا عن النكبة السورية وعن مأساة فلسطين والمأساة السورية وعن اللاجئين والنازحين من فلسطين وعن اللاجئين والنازحين من سورية والعراق واليمن.

بل هناك مستوى آخر للتجزيء داخل كل تجزيء نقوم به. ففي الحالة الفلسطينية مثلاً، تجزيء ثانوي بين ما قبل 1948 وبعده، قبل 1967 وبعده. وهناك تجزيء جغرافي، أيضاً. فهناك فلسطينيون في الساحل غرب الخط الأخضر وفلسطينيون في الضفة، شرق الخط الخضر، وفلسطينيون في المخيمات والشتات إلخ... وكذلك في سورية التي انطحنت وعادت إلى مكوناتها الإثنية الطائفية في الخطاب المتداول. من هنا، هذه الحاجة إلى مقاومة التجزيء ورفضه في الأقلّ كي يستوي الفهم ويقرّبنا من الحقيقة والفهم، وهو ضروري كي تستقيم السياسة أيضاً. وتصير الحاجة مُلحّة للنُخب والقيادة المكلّفة بشؤون التاريخ وتسيير دفّته أو التأثير في سيره ومحصّلاته. فالتاريخ هو ذاته يتحرّك بفعل المصالح التي تمتلك قوة دفع وإرادة تُحدد الغايات وترسم الخطط وتختار الاستراتيجيات لتحقيقها. والمقاومة ضرورية كي يكون الواحد منّا مُنصفاً ليس بحق التاريخ، بل بحق نفسه وبحق شعوب حرمها «الكِبارُ» حقوقها وأوطانها كالسوريين الآن. وكي يكون الحكم على نظام عربي وحليفه الإيراني كالحكم على إسرائيل، وعلى نظام البشير في السودان كالحكم على نظام القذافي في ليبيا. نحن في حاجة إلى رفض التجزيء كي نفهم التاريخ، تاريخنا!

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة