|   

النسخة: الورقية - دولي

المجزرة التي حصلت في مسجد الروضة في شبه جزيرة سيناء المصرية تبدو استثنائية على غير صعيد. فهي استهدفت مصلّين في مسجد وحصدت في غضون دقائق أرواح أكثر من ثلاثمئة نفس بينهم قرابة الثلاثين طفلاً وجرحت أكثر من مئة. حجم الفظاعة التي ارتكبت دفعة واحدة كبير ومهول.

هناك ما يتعدى استعراض التوحش المعهود لدى تنظيمات "قيامية" وتكفيرية مثل داعش. فقد أفصحت المجزرة بوضوح عن عزم منفّذيها على إبادة المصلّين عن بكرة أبيهم. التغطيات الإخبارية للمجزرة تحدثت عن اشتراك حوالى ثلاثين شخصاً في تنفيذها، وكان هؤلاء قد وصلوا إلى المكان في أربع أو خمس سيارات رباعية الدفع ورموا قنابل وقذائف على المصلين داخل المسجد ثم سدوا النوافذ وانتشروا أمام المدخل وراحوا يطلقون النار على الهاربين المذعورين بغية قتلهم.

لا نعلم لماذا لم يزنّروا المسجد، بكل بساطة، بالمتفجرات المعهودة لتدميره على رؤوس العباد والمصلين المتجمعين داخله، ما دامت حرمة المسجد قد انتهت صلاحيتها وقيمتها في نظر المخطّطين والمنفّذين. يمكن بالطبع تفسير الأمر بطريقة صلفة كالقول إن التفجير كان متعذراً ربما لأسباب تقنية، أو لأن المنفذين أرادوا ارتكاب عملية قتل أقل تجريداً متشوقين إلى نوع من الثأر العيني والعياني، أي من الفتوة العارية. ونحن نرجّح الفرضية الأخيرة. فقد تحدثت تقارير وتغطيات إخبارية عن خلفية قبلية في معظم النزاعات في منطقة سيناء حيث تتنافس وتتنازع على السلطة والمكانة قبيلتا "السواركة" و "الترابين".

غير أن التقارير أشارت باقتضاب شديد إلى أن الضحايا ينتمون كلهم تقريباً إلى قبيلة "السواركة" وأن عدداً لا يستهان به من قادة الفصيل المتطرف الذي نفّذ المجزرة بعد أن بايع منذ سنتين تنظيم داعش هم من القبيلة ذاتها أي السواركة.

بالنظر إلى قلة المعلومات المتداولة إعلامياً عن التركيبة السكانية وأنماط التنظيم الاجتماعي في سيناء لا يبقى لدينا سوى تساؤلات وتخمينات حول الخلفية الحقيقية للمجزرة. هل يتعلق الأمر بتشدّد دعوي يجعل المنفذين بمثابة جنود دعوة لا يعترفون ولا يقبلون أي انتماء غير الانتماء إلى دعوتهم بحيث يسعهم أن يحكموا على الآخرين، بمن في ذلك الإخوة والأقارب، بالشرك والكفر والضلالة والردة، حتى وإن كانوا يصلّون في مسجد يُنسب إلى طريقة صوفية، بحسب بعض التغطيات الإعلامية؟. أم أن الأمر يتعلق بتصفية حسابات من الطراز القبلي بين منشقين عن القبيلة التي يميل زعماؤها ووجهاؤها إلى مهادنة السلطة التي يعتبرها الدعاة عدواً يتوجب لزوماً وفرضاً قتاله؟. هل هناك علاقة ما بين المجزرة وبين خريطة النزاعات القبلية في هذه المنطقة وما هو موقع العلاقة مع الدولة المركزية في هذه الخريطة في سياق الوضع المستجد والمضطرب منذ عزل محمد مرسي وانتخاب عبد الفتاح السيسي رئيساً؟.

يمكننا أن نستولد من هذه الأسئلة أسئلة أخرى تضعنا على أرضية سوسيولوجية لا يستسيغها كثيراً هواة الاستهلاك الإعلامي السريع والمعولم. وهذا بالضبط ما يسهّل اختزال أمور معقدة إلى شعارات وتعريفات إجمالية وإلى التعاطي مع الوقائع والأحداث كأنها صور لحظوية تصلح للتفرّج وتسجيل الانطباعات من دون إخضاعها للمساءلة النقدية ناهيك عن ضرورة التثبّت والتحقق. على هذا النحو تسنى لنا فحسب أن نعرف أن عدد سكان منطقة سيناء يتراوح بين أربعمئة ألف وستمئة ألف، وأن الطابع القبلي يطغى على التركيبة الاجتماعية للسكان الذين تنسب لهم صفة بداوة لا نعلم مدى استقرارها واستقرار قيمها وتعبيراتها بالنظر إلى تحضّر السكان وثباتهم، بهذه الطريقة أو تلك، في أمكنة سكنهم.

وهذه قضية تستحق البحث والتعمق بما يتعدى التصنيف الخلدوني المعروف بين العمران البدوي والعمران الحضري. ذلك أن هذه المسألة تخترق التاريخ الإسلامي كله وفي كل المجالات.

نعلم، من جهة أخرى، أن الرئيس المصري أمهل الجيش مدة ثلاثة أشهر للقضاء على الظاهرة الإرهابية في سيناء. وقد منح قوات الجيش الحق في استخدام "القوة الغاشمة"، بحسب عبارته المثيرة للجدل. والحال أن الرئيس المصري أفصح بنبرة عالية ومفهومة عن استئناف صراع قديم بين الدولة المركزية والهوامش التي تتهدد سلطتها. هول المجزرة إضافة إلى إفصاح اتحاد القبائل في سيناء عن ضرورة معاقبة الجناة دفعا بالتأكيد ويدفعان إلى معالجة الوضع المضطرب دورياً وفق الترسيمة الأمنية المحبّذة في هذه الأيام.

فبحسب هذه الترسيمة هناك أمران رئيسيان: الحرب على الإرهاب وصورة الإسلام. شعار الحرب على الإرهاب يقول الكثير ولا يقول شيئاً في آن. فهو يخاطب بالتأكيد مشاعر الخوف والتقزز من ظواهر العنف الإجرامي الذي يحصد الناس بلا تمييز وفي أمكنة مختلفة. لكن هذا الشعار لا يكشف مستوراً بقدر ما يترك للقوى والدول الوازنة أن تقرر كما يحلو لها إطلاق صفة الإرهاب على من يخاصمها ويزعجها. هاجس الاستقرار الأمني بات يحظى بالأولوية بحيث بات على اللاعبين إعادة تموضعهم وترتيب أمورهم وفق هذه الأولوية. شبحية داعش لن تزول ولن نعرف شيئاً مهماً، في المدى القريب، عن منطق توالدها وتمدّدها. داعش ليس سوى عنوان لمناخ من الفوضى العنفية الخلاقة بالنسبة للبعض والفتاكة لمجتمعات وطنية لم تتوصل بعد إلى بناء اللحمة الوطنية على أسس متينة.

إذا كانت حظوظ نشأة ظواهر مثل داعش تبقى قوية في المنطقة فذلك يعود إلى اتساع رقعة الهوامش في بلدان تبدو فيها متون الاندماج الوطني أكثر هشاشة مما نعتقد. أما صورة الإسلام فهي أيضاً موضع رهانات سياسية وأيديولوجية. لكننا لن نخوض الآن في هذه المسألة. سنكتفي بالإشارة إلى هدر الوقت والطاقة واستنزاف الجهود في سجال عقيم حول جوهر الهوية الإسلامية وتأصّل العنف فيها. هذا السجال وما يستجره من الأطروحات والتمثيلات المبتذلة والعنصرية التي يقابلها أدب نفاحي وانفعالي ليس جديداً إذ يرقى إلى الماضي القريب. ولم يعرف قدراً من الهدوء والرصانة إلا في الفترة التي أعقبت الاستقلالات الوطنية ونزع الاستعمار. تغريدة دونالد ترامب المعادية للإسلام قبل أيام قليلة والتي انتقدتها رئيسة الحكومة البريطانية لن تكون الأخيرة. في مناخ مثل هذا تستطيع وزيرة إسرائيلية أن تقترح في القاهرة توطين الفلسطينيين في سيناء.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available