|   

النسخة: الورقية - دولي

عملت طوال نحو ربع قرن في وزارة الخارجية الأميركية على ملف المفاوضات العربية– الإسرائيلية، وحزت نصيبي من الأفكار المتسرعة، ولكنني كنت على قدر كاف من الذكاء لأتجنب قضية القدس. ونصحت وزراء الخارجية الأميركية بتجنب المسألة هذه. والأربعاء قد يقدم الرئيس الأميركي على خلاف النصيحة هذه، وقد يرجئ قرار نقل السفارة الأميركية إلى القدس. ولكنه قد يعلن الاعتراف بالقدس عاصمة إسرائيل. فالإدارة الأميركية تعتقد ربما أن مثل هذا الإعلان أقل ضــــرراً من اعلان بدء نقل السفارة. ولــــكن اذا لم يكن النقل حلقة من حلقات اتفاق متفاوض عليه، يقضي بتنازلات اسرائيلية كبيرة للفلسطينيين، فاقم تعقيد عملية السلام التي يروج لها ترامب. والمسألة البالغة التعقيد في المفاوضات التي غالباً ما يستساغ ألا تناقش هي مسألة القدس. فرمزيتها الســياسية والديــنية كبيرة.

وهي في مثابة برميل متفجرات قد يشعله عود ثقاب. ووقعت حوادث كثيرة في مواقع فلسطينية وإسرائيلية مقدسة متداخلة ويتنافس عليها المسلمون واليهود، في 1990 و1996 وعام 2000 وأخيراً في العام الحالي حين نشرت السلطات الإسرائيلية كاشفات معدنية على مداخل منطقة الحرم الشريف/ جبل الهيكل. وقد يشعل أي تغيير وحتى أي تغيير متخيل في توازنات الأمر الواقع، فتيل العنف. والمسألة شائكة وعصية على التوقع وقد تنزلق سريعاً الى الأسوأ. وموقفي واضح، مكان السفارة الأميركية هو القدس الغربية. وإسرائيل هي من دول قليلة في العالم حيث لا تقيم أميركا سفارتها في عاصمة البلد المضيف. ولكن من يدعو الى تقويم هذا الخطأ الآن، مهما كانت الأثمان، تفكيرهم بالغ الضيق ولا يحتسب إلا المصالح الإسرائيلية. فإسرائيل اعلنت ان المدينة هذه هي عاصمتها الأبدية والموحدة، وضمنها القدس الشرقية حيث يقيم الفلسطينيون وحيث تأمل السلطة الفلسطينية بإرساء عاصمة الدولة الفلسطينية. وإعلان ترامب أن القدس عاصمة اسرائيل، هو صنو اعتراف واشنطن بالسيادة الإسرائيلية على المدينة كلها. وإذا اقتصر قوله فحسب على ان القدس الغربية هي عاصمة اسرائيل، غامر بإغضاب الحكومة الإسرائيلية.

وتبدو عملية السلام وكأنها لفظت الروح. ولكن لا داعي الى دفنها. وفي وقت يلتزم ترامب انهاء النزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، لماذا قد يرغب في تناول المسألة هذه وزيادة الطين بلة؟ ومثل هذه الخطوة قد يقوض عملية السلام التي يتوقع ان يميط فريقه عنها اللثام مطلع العام المقبل. ويؤخذ على ادارة ترامب انحيازها الكبير الى الحاجات الإسرائيلية على حساب الحاجات الفلسطينية؛ وخطوة القدس تطعن في صدقية واشنطن وسيطاً مؤثراً. وهددت السلطة الفلسطينية بالانسحاب من عملية السلام اذا اعترفت واشنطن بالقدس عاصمة اسرائيل، وحذّر ملك الأردن من أخطار مثل هذه الخطوة، مثلما فعل رئيس الجامعة العربية.

 

 

* باحث، ديبلوماسي سابق، عن موقع «سي أن أن» الأميركي، 3/12/2017، إعداد منال نحاس.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة