|   

النسخة: الورقية - دولي

الطريق السريع في ميانمار هو الأغرب في العالم. فالمرء لا يصادف سيارة على ستة خطوط منها. والطرقات هذه تربط بين وزارات مخفية أو مستترة وقاعات مؤتمرات واسعة. ولا يجمع بين هذه الطرق مكان تجمع أو ساحة عامة. فقادة ميانمار العسكريون، أرادوا عاصمة آمنة وقصية حين أماطوا اللثام عن مشروعها عام 2005. فيانغون، العاصمة السابقة المزدحمة والصاخبة، كانت مصدر خطر يتهددهم: احتمال اندلاع احتجاجات فيها إثر عقود من حكم العسكر الخانق. وفي هذه القلعة النائية تمضي، أونغ سان سو شي، بطلة العالم السابق في رفع لواء الديموقراطية، أيامها وتزجي الساعات، وهي تراقب هبوط مكانتها في العالم وتشويه صورتها الأيقونية. وهي ابنة بطل الاستقلال البورمي (بورما ميانمار سابقاً) الراحل، آنغ سان، وقبعت 15 عاماً محتجزة في منزلها وهي تجبه الحكم العسكري. فحازت جائزة نوبل للسلام. وفي 2015، فازت في انتخابات بدا أنها تختم عقوداً من الحكم العسكري في ميانمار. لكن صمتها المرواغ أمام فرار نحو 620 الف نسمة من الروهينغا إلى بنغلاديش، أثار غضب العالم. وتبددت هالتها.

ويشعر العالم بالخديعة. وجرّدتها مدينة أوكسفورد من شارات التكريم. وكان لسان حال ريكس تيلرسون، وزير الخارجية الأميركية، في زيارة خاطفة، السؤال عن أسباب عجزها عن إدراك فظاعة ما ترتكبه القوات الأمنية والعسكرية الميانمارية. ولعل ما وراء عجزها هذا هو إدراكها أن بلادها تفتقر إلى الديموقراطية، وهي في مرحلة الانتقال من حكم العسكر إلى حكم شبه ديموقراطي، وهي أمة في حرب مع نفسها ولم ترسُ هويتها على وجه. وإذا خطت خطوة خارج ما حدده الجيش، خسرت كل شيء: نضالها طوال حياتها من أجل الحرية. وينزلق عدم إدراك المعضلة التي تجبه سو شي إلى مزايدات غير مسؤولة. ويرى أمين عام الأمم المتحدة السابق، كوفي أنان، أن الغرب «صنع قديسة (أخرج صورة سو شي على صورة قديسة)، لكن القديسة صارت مسؤولة سياسية، وهذا ما لا يعجبنا». وتجنبت أونغ سان سو شي إدانة ما أقدم عليه الجيش ووصفته الأمم المتحدة بـ «كابوس حقوق الإنسان»، وتجنبت كذلك التلفظ باسم الروهينغا، وهي تسمية يكرهها شطر راجح من الغالبية البوذية، ويرون أنها (التسمية) صنو هوية مخترعة. ولازمة كلامها هو «التناغم» و «حكم القانون»، على رغم شحهما في بلادها. وميانمار بلد متذرر يجبه حركات تمرد اتنية كثيرة، ولم يتماسك إلا بالقوة، يقول ديريك ميتشل، وهو سفير أميركي سابق. ومنذ الاستقلال عن الإمبراطورية البريطانية في 1948، حكم الجيش البلاد معظم الوقت.

وإلى اليوم، الجيش يمسك بمقاليد البلد. وعلى رغم أن حزب سو شي فاز بالانتخابات في 2015، لم تفز بالرئاسة. وابتهج العالم بفوزها، وأهمل عدم تسلمها الرئاسة. وفي 2008، حين صاغ العسكر الدستور حظر عليها الرئاسة لأن أولادها يحملون الجنسية البريطانية. وهي اليوم تشغل منصب مستشارة الدولة الفخري. ووزارات الدفاع والداخلية والشؤون الحدودية في قبضة الجيش، شأن وزارة الدفاع الوطني والمجلس الأمني، و25 في المئة من مقاعد البرلمان. فهي لم تتسلم السلطة، بل شطراً ضئيلاً منها. وقرارات سو شي تندرج في هذا السياق. فهي تلعب لعبة طويلة الأمد في سبيل التغيير الديموقراطي، و»تخطو خطوات بالغة الحذر، وهي تقف في منزلة بين الجيش والشعب.

والمشكلة أنها مبتدئة في عالم السياسة، على خلاف حالها في عالم القداسة. وثبت أنها غير مؤهلة للعب دورها الجديد. فهي عاشت طوال حياتها تقريباً في الخارج، وسجنت حين عودتها، ولا باع لها في الحكم ولا في الإدارة. وهي تحملت عقداً ونصف من الإقامة الجبرية والانفصال عن أولادها، وعجزت عن رؤية زوجها في نزعه الأخير في إنكلترا، ولا شك في أن داعيها إلى تحمل هذا كله هو إيمان وطني عميق. وهذا مصدر قوتها وجاذبيتها في بلدها. لكنها عاجزة عن رؤية إبعاد ما جرى في راخين. وهي لم تألف السياسة الخارجية ومصاعبها. ولا تُعرف بالتعاطف. فإذا زارت مخيم لاجئين، لن تعانق الأطفال هناك. فهي ترى أنها تجسد روح بلادها: بوذية تحمل رسالة والدها الذي رحل يوم كانت في الثانية من العمر، ورسالته كانت السعي إلى توحيد الأمة ورصّ لُحمتها. لكن الطريق إلى مثل هذا التوحيد مبهم. فهوية ميانمار- دولة يهيمن عليها البوذييون من إثنية البامار أو اتحاد فيديرالية متعدد الأديان- غامضة إلى اليوم. وهي لم تأمر بالمجازر ولم تملك سلطات دستورية لوقفها. لكنها لم تشجب عمليات القتل وحرق القرى ونزوح مئات الآلاف المذعورين. ويبدو أنها ترتاب في مزاعم الروهينغا وترى أن ما يجري تلاعب إعلامي. وموقفها رجح كفة الالتباس: على فايسبوك تدور رحى حرب مدارها حوادث الواقع. ويبدو أن الروهينغا والبوذيين يعيشون في واقعين منفصلين: فهما لا يُجمعان على الحوادث ولا حتى على أبسطها.

وفي ولاية راخين حيث أُضرمت نيران الجحيم في آب (اغسطس) الماضي، الفقر منحوت في الوجوه النحيلة والعيون الجاحظة. وشوارع عاصمتها، وهي على مسافة أكثر من ساعة من يانغون، مغبرة ومهملة. والكلاب الضالة ترتع في شواطئها والغربان تتغذى من نفاياتها. وحال العاصمة هذه من حال راخين كلها، وهي من افقر اجزاء ميانمار، وهذه بلد بالغ الفقر. والعنف في شمال الولاية هذه كان كارثة متوقعة. ففي 2012، أودى العنف بين البوذيين في الولاية هذه والمسلمين بحياة حوالى 200 شخص، وأدى إلى تقطع السبل بنحو 120 ألف نسمة في المخيمات. وفي المخيمات هذه يذوون منذ خمس سنوات. وأخلَّت الحكومة بوعودها. وأحكمت الطوق على المخيمات، وأخلت مناطق الروهينغا في المدينة.

وراخين، تعرف كذلك بـأراكان، كانت مملكة مستقلة قبل أن تقع في أيدي البورميين في نهاية القرن الثامن عشر. ولطالما أهملتها الحكومة المركزية. ومن رحم الارتياب المتبادل، ولدت حركة البوذيين المستقلة، وجناحها المسلح يعرف بـ «جيش أراكان». وتحديد تاريخ بدء المسلمين في ميانمار بتعريف أنفسهم على أنهم روهينغا غير مهم. لكن القمع ساهم، إلى حد بعيد، في بروز هويتهم الإثنية– القومية. وتزامن القمع مع تجريدهم من الجنسية وإنزال الجيش وميليشيات راخين البوذية أشد أنواع العنف بهم. ومن رحم الإحباط وخسارة الأمل، ولد جيش خلاص الروهينغا في أراكان الذي كان وراء هجمات على عدد من مقرات الشرطة الميانمارية على الحدود. ورد الجيش رداً كاسحاً على هذه الهجمات (إحراق قرى واغتصاب وقتل). والمشكلة تعود إلى إخفاق عمره سنوات مديدة. فالحكومات العسكرية خذلت بوذيي راخين، وخذلت روهينغا راخين أكثر. وفاقمت حكومة المستشارة الإخفاق.

 

 

* كاتب، عن «نيويورك تايمز» الاميركية، 25/11/2017، إعداد منال نحاس

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة