|   

النسخة: الورقية - دولي

على رغم أن حوادث التحرش الجنسي في دوائر عالم السينما في فرنسا لا تقل عن نظيرتها في أميركا، قلة من الممثلات الفرنسيات اشتكت من التمييز الجنسي والتحيز ضد المرأة والتحرش. وليس من يملك نفوذاً يضاهي نفوذ هارفي وينستاين (وينشتاين)- وهذا نفوذه أخطبوطي ويملك مفاتيح كم أفواه النساء- في عالم السينما الفرنسية. وبعض الممثلات الفرنسيات يلتزمن الحذر، وينتظرن مآل الأمور، فهن غير متأكدات من أثر ما سيقلنه في مسيرتهن المهنية، إذا سلطن الضوء من كثب على ما يخفيه عالم السينما منذ أعوام. وهن، اليوم، يمطن اللثام عن شطر من الوقائع إماطة مضمرة من دون إعلان صريح ومباشر مخافة أن يقتص منهن، وليس من المعتدي، وخشية أن يتحولن إلى كبش محرقة أو فداء.

وأرى أن النساء اللواتي أعلنّ أن علاقة بالتراضي نشأت بينهن وبين وينستاين مقدامات. ولست من دعاة الوعظ، وكل يصوغ أو تصوغ على ما يشاء أو تشاء سبيل النجاة من معضلة طبيعة العلاقة بالمخرج والمنتج... وكل من لعب في فيلم أميركي بارز تقاطعت مساراته بوينستاين، وصادفه. وقابلته في 1989، في حملة الترويج لفيلم أخرجه برونو نويتن عن سيرة «كاميل كلوديل»، وفزت بترشيح أفضل ممثلة في فئة هذا النوع من الأفلام، ولكن من تولى توزيع الفيلم في أميركا هي شركة «سوني كلاسيك» وليس «ميراماكس». وقال لي وينستاين: «لن تحرزي شيئاً ما لم أشتر أنا حق توزيع الفيلم. وإذا أخذتي بكلمتي ستفوزين بالأوسكار في المستقبل». وحاجته إلى الهيمنة لم تكن تمل ولا تهدأ.

والأجواء ملتبسة في عالم التصوير. فعلى سبيل المثل، يقال للممثلة الشابة إن المخرج يحتاج إلى الوقوع في حبها، ومواقعتها، ليصورها كما لم تصور من قبل. وفي سبيل تقاربهما، تُمنح غرفة في الفندق لصيقة بغرفته. والأمر بالغزل نقع عليه في مذكرات الممثلات الأثيرات على القلوب من مارلين ديتريش إلى إيزابيل روسيلليني مروراً بلويز بروكس. وهذا الجانب حلقة من حلقات أسطورة السينما. وتُقنع الممثلة بألا تبدد غموض موقفها من المخرج. فرفضها الصريح يصيب بالعقم نظرة المخرج أو يقوض اهتمام المنتج. والحاجة إلى الحلم بموضوع الرغبة الغامض، أي الممثلة، هي في مثابة دعوة مشرعة إلى تجاوزات لا قاع لها. ومثل غيري من الممثلات، صادفت في أمكنة التصوير عنفاً مدوياً، واقتضى جبهه من دون أن أنبس ببنت شفة. وحين كنت يافعة تعذر علي القبول بالغزل، وأتذكر حماسة مخرج كنت أكن له الإعجاب. وكانت معرفتي بأن ممثلات انزلقن إلى الكآبة وانهيار عصبي، إثر انتهاء التصوير- وعدم توقعهن مآلهن: لن يكن موضع رغبته إلا وقت التصوير وأن الرغبة فيهن تستنفد مع انقضاء ما بينهما، أي الفيلم أو الإنجاز الكبير-، عوناً لي في مقاومة المخرج هذا، على رغم أنني كنت بالغة الافتتان بأعماله. والتحرش غير مرئي، بل هو مضمر في تلاعب كلاسيكي يقدم عليه أي مغرر وفاتن. وفي مثل الأحوال هذه، لا تملك الممثلة الشابة الرفض رفضاً من غير مواربة، والانزعاج يهجم ويحول دون أن تكون على سجيتها. والممثلة في ساحة العمل هشة، وتحتاج إلى حمايتها من التجاوزات (الجرائم الصغيرة) كلها التي ينفي مرتكبوها صفة التجاوز والانتهاك عنها ومنها، على سبيل المثل، إقحام ممثل لسانه في فم شريكته في المشهد، على رغم إعلانها رفض هذه الحركة. والممثلات اللواتي لا تجارين الانتهاكات هذه ولا تصدعن بها توصف بصعبة المراس والهوجاء. وهذا لا يخفى على الممثلات، وكلهن يسعين إلى النجاة من الخطر سعياً ماهراً حين تشعرن به. وعلى الفور، تحصد الممثلة الممانعة الشتائم على مرأى فريق العمل، ويُطعن في ما تقوله ويذم. وفي فرنسا، يُحتفى بالمخرجين الذين لا يعرفون إنجاز عملهم من غير توجيه الإهانات. وكأن سادية المخرج هنري جورج كلوزو (1907-1977) كانت شرط الإقرار بموهبة بريجيت باردو في التمثيل. ولكن الإخراج لا يقتضي الهيمنة على الممثلة واستتباعها، على خلاف ما هو شائع. ولتعش الممثلات اللواتي يخرجن أفلاماً، ويكتبن، ويشاركن في الإنتاج! فهن يساهمن في تخفيف السينما من طابعها الذكوري البائد.

وبعض الممثلات يتجاوز حادثة التحرش وبعضهن الآخر يعاني أثرها وقتاً طويلاً. وهذا وثيق الصلة بالتنشئة وبمنح الوالدين ابنتهما الحق في الوجود (الاعتراض والدفاع عن النفس والتعبير عن المشاعر والمبادرة...) أم الإمساك عن منحها الحق هذا. وذعرت في لحظات مزعجة كثيرة- وهذا الذعر تتردد فيه أصداء منع والدي إياي من الانحياز إلى نفسي والذود عنها. ولكن مثل هذه اللحظات لم تعق كثيرات غيري، ورحبن بها. ولكنني رفضت مشاريع أفلام، على رغم أنها أثارت اهتمامي وفضولي، لأنها ترافقت مع حركات أخافتني وأصابتني بالذعر. فعلى سبيل المثل لا أنسى غداء عمل مع مخرج روسي أمسك بيدي وشد عليها شداً قوياً، ولم أعد أقوى على سحبها من قبضته. ثم وضع سبابته في فمه، ومصه وقتاً طويلاً. وبعد وقت طويل، كتبت له رسالة أوضحت فيها ما حال دون تمثيلي في فيلم Mouette: وضعه أصبعه في فمه». ورفضت أدواراً في أفلام مخرجين بارزين بسبب خوفي منهم. ولم ألب دعوة منتج مهيمن على النساء ومستتبع لهن، إلى حفل، فأبلغني أنني سأدفع الثمن غالياً. ولم يتأخر في ذلك، وكتب هرفي غيبير سيناريو عن الحادثة هذه. لذا، أضم صوتي إلى المبادرة النسائية والنسوية الجماعية، في انتظار تراجع الرجال عن موقفهم المتحامل منها.

 

 

* ممثلة، عن «ليبراسيون» الفرنسية، 18-19/11/2017، إعداد منال نحاس.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة