|   

النسخة: الورقية - دولي

لم يطرأ منذ قرن ونصف القرن، تغيير يذكر على شكل العلوم الاجتماعية، بينما شهدت حقول أخرى مثل الرواية والمسرح والموسيقى والسينما، في الأثناء، تجديداً قريباً من الثورة أو الانقلاب. فالبحث في العلوم الاجتماعية ينبغي أن يتعدى موضوعه إلى البحث في الشكل وفي اللغة والأداء، أو التبليغ، فتجلى هذه العلوم على حقيقتها المشرَّعة على الأدب والمسرح الحي والفنون السمعية البصرية والتصويرية. وبعض الأعمال في هذا المضمار، شأن «زمن الكاتدرائيات» (1978) الذي أشرف عليه جورج دوبي، مؤرخ العصر الوسيط، ألف بين أبعاد المعرفة الثلاثة: الصورة والنص والموسيقى. وأدت حركات آلة التصوير، الحركة الموازية والمسايرة والمجايرة («ترافلينغ») وتثبيت الصورة القريبة («غرو بلان»)، دور البرهان أو الحجة في قياس منطقي. والمسلسلات المتلفزة، وبعضها في صيغة متخيلة، تضطلع بمهمة علوم اجتماعية، على شاكلة عمل ديفيد سيمون «ذا واير» (في 2002) الذي يصف مدينة بولتيمور الأميركية وصفاً اجتماعياً يحيط بها من كل وجوهها.

وتناول مسلسل «قرية فرنسية» (2009) زمن الاحتلال الألماني في الحرب العالمية الثانية، وينتقل من صعيد الدولة إلى صعيد القضاء فالقرية، ويتطرق إلى المناهج السياسية والأخلاقية، وإلى المصائر الفردية والعائلية وحيز الحرية في خضم الحوادث الجماعية. والشرائط المصورة تشهد فورة ابتكار تتيح للباحثين أداة تعبير وذيوع فاعلة.

والمسألة التي تستوقفنا هي التقاء العلوم الاجتماعية والعمل الأدبي. والصورة المقترحة لهذا الالتقاء هي التقصي، أو البحث الميداني في العلوم الاجتماعية، بما هو شكل أدبي جديد. وانقلاب العلوم الاجتماعية أدباً (إلى الشكل الأدبي الروائي) لا يدعوها إلى النكوص عن علميتها أو اجتماعيتها، وإنما هو دعوة إلى التزام الأمانة والابتكار والنقد التزاماً أعمق وأقوى. وليس هذا من باب التجريب لوجه التجريب ومتعته. فالتجريب في هذا المعرض إقبال على التجديد، وعلى الجمع بين دقة التقصي وبين مسافة التدبر والتفكير في مادة الموضوع ومبانيه.

وعلى هذا، يجوز تعريف البحث تقصياً عن الواقع وفيه. ويستدل التقصي بمثالين تاريخيين هما تأريخ هيرودوتس «هيستورييه» (الاستقصاءات حرفياً) و «منطق» جون ديوي («منطق التقصي»). وهو، على ضوء المثالين، نشاط فكري يتيح قول أشياء حقيقية في العالم وعليه من طريق احتجاج يقوم على عدد من المراحل: تعريف قضية أو مسألة، تعليق الالتصاق بالواقع، جمع المصادر، المقارنة، امتحان الافتراضات، وتحكيم الدليل. وحين أراد إدمون لوكار، أحد رواد علم الجريمة، في 1920 («التقصي الجنائي والمناهج العلمية») إرساء التحقيقات البوليسية على ركن متين استنبط نظرية «الاستدلال بالقرينة»، أو بلوغ الدليل القاطع من طريق القرائن وجمعها. والاستدلال هذا قوي الشبه بما يسميه المؤرخ الإيطالي المعاصر (وصاحب «التاريخ المجهري») كارلوغنسبورغ «مناط الأمارة» (أو العلامة).

ويميز لوكار: 1) الملاحظة، وتتولى جمع الآثار من مسرح الجريمة، من 2) الافتراض الذي تقوده المخيلة المؤطرة بعناصر الملاحظة، و3) التجريب، وهو المراقبة العينية التي تفضي إما إلى تحقيق الافتراض وإما إلى رده ونقضه، و4) الاستنتاج القياسي ومهمته ربط القضية بأشباهها من قضايا محفوظة في سجلات القضاء وحولياتها. والأدلة المشتقة من العلامات- البصمات واللطخات وآثار الأحذية والأقدام ودواليب المطاط والرصاص والدم والمتفجرات وقلامات الأظافر والخدوش والغبار- عضد المحقق والهيئات المحلفة. ويتكون التقصي حال تصدي معني بالأمر إلى فهم ما حصل، البارحة أو في عهد قيصر، بواسطة الاستدلال والاستنتاج.

والتقصي يوحد العلوم الاجتماعية والأنواع الأدبية، مثل الشهادة (التي لابسها الشاهد) والسيرة الذاتية والتحقيق الصحافي ورواية الرحلة، ويؤلف بينها. وميزة التقصي ديموقراطيته. فهو في متناول الناس كلهم، وتقتضي مزاولته إعمال العقل فقط. والقاضي والصحافي والباحث لا يطرحون أسئلة واحدة، ولا يقصدون الموضوعات نفسها، ولكنهم يتدبرون المسائل ويفكرون فيها على مثال مشترك. ولذا، هم يضطلعون بدور مراجع التحقيق التي لا غنى للديموقراطية عنها. وتساهم تقصياتهم في تربية المواطنين، أي في بلورة أحكام نقدية جماعية يسعها النظر في قضايا عامة مشتركة. والفائدة التي تجنيها الديموقراطية من العلوم الاجتماعية، وتسوغ تمويل بحوثها من المال العام، هي صوغ هذه العلوم قولاً حقاً في عالم تسوده «عناصر اللغة»، الإعلان والتواصل داخل أطر العمل (المكاتب والمصانع والمختبرات) والجهل الجماهيري الذي تصنعه الشركات المتعددة الجنسية وأهومة المؤامرات والأخبار الملفقة والمنحولة التي تتناسل على شبكة الإنترنت.

وعلى عاتق الباحثين، في زمن التشكك العام، تقع مهمة فتح صندوق المعرفة الأسود، ورصد سيرورة صناعة المعارف، وجلاء طرق التحقيق وسبله داخل رواية الوقائع. وعليهم أن يشرحوا للقارئ نهجهم وغايتهم وحدوسهم وشكوكهم وإنجازاتهم وإخفاقاتهم وأسفهم. ويفترض هذا ما يتعدى الهوامش المرقمة في ذيل الصفحات. وإذا شاء الباحثون أن تعني المعرفة الجمهور، ويقبل عليها إقبال المسؤول عنها وراعيها، وجب عليهم الحرص على أن تكون المعرفة في متناول الجمهور وملك يده. وهذه وظيفة النص (وهو خلاف التقرير «الموضوعي»). ولا يستمد التقصي قيمته من كمية الوقائع التي يراكمها، بل من بنية الاستدلال الذي يعمله في الوقائع. وعلى هذا، فالتقصي دعوة إلى تعدد الاختصاصات وتضافرها، وذلك من طريق المداولات التي يستدعيها التقصي، والاستعارات التي يحمل عليها، والتقاطعات التي يتوسل بها داخل النص الواحد.

وعمل المخيلة (التخييل) حاجة ملحة في كل مراحل البحث الاجتماعي: في صوغ المسائل الجديدة، وفي المفهومات (المفاهيم) التي يقتضيها التفكير في المسائل، وفي الروايات التي تنقلها وتبلغها. وغالباً ما يؤدي السرد في العلوم الاجتماعية، على شاكلة «كتابة التاريخ» المزعومة، إلى إبطال التفاوت والتباين بين الأنسجة الزمنية: فلا تلحظ الفروق بين ما يصف زمن الضالعين في الحوادث (موضوع البحث)، وبين إيقاع زمن التقصي (في الحاضر)، وبين هذين وبين حياة الباحث وسيرته وسوابقه. فما ينبغي ألا يغفل عنه هو أن المؤرخ الذي يتناول موضوعاً من الماضي البعيد أو القريب لا ينفك هو يعيش في الحاضر. ويترتب على هذا أن المؤرخ يطرح على الماضي أسئلة الحاضر، والمصادر التي يُعملها في معالجته هي تلك التي بلغتنا. فالماضي مدعو على الدوام إلى «مجلس» الحاضر و «مائدته»، على شاكلة محفوظات أو أرشيف، وعلى صورة أطلال وكلمات وعادات ومؤسسات ومدن. والتنزه السريع في روما بين الكوليزيه وكاتدرائية لاتران والفاتيكان وعين تريفي وحي المعرض الدولي، يدل من غير لبس على أن «الحاضر» هو ائتلاف ماثل من حملة «مواضٍ»، تسمى العصر الروماني والمسيحية والنهضة والباروك والفاشية، والدلالة على الماضي وصيغته المفرد هي صنو الإشارة إلى «الريف» في مقابلة المدينة الكبيرة أو العاصمة.

و «أنا» الباحث هي جملة الوجوه التي ينشأ عنها: الجنس والطبقة (الاجتماعية) والعائلة والجيل والمؤسسات (التي أعدته) والشرفات والدَرَجات (الموضة) وسمة العصر الغالبة. وهي الوصلة بين أضلاع المثلث- الباحث، والدائرة الأكاديمية التي ينتمي إليها، وموضوع البحث الذي انتخبه-، والمعيار الذي تقاس به الأضلاع. واستعمالها المنهجي ينقذها من النرجسية، ومن الاستعراض الفج. وإلمام الباحث برابطته بموضوع بحثه، وتظهيره مساره وميوله في سياق البحث، يعودان على العمل بـ «فائض» توضيح. ويعود جهل الباحث بدواعيه على البحث بالغموض، وبأحكام معيارية.

ويقود استخلاص النتائج الأدبية من المنهج إلى دمج التقصي، على وجوهه الكثيرة: تعدد الاختصاصات وتفرق الأنسجة الزمني وكثرة المعايير والمساواة في التناول، في كتابة النص. وعلى هذا، تحمل العلوم الاجتماعية على الكتابة. فالبحث لا يسعه التجرد من اللغة وكتابتها. واللغة المتكلسة والمتحجرة على صيغها تلجم البحث كله. فدقة العبارة، وإصابة الكلمات، والإيقاع، من صلب الاحتجاج والاستدلال. ونصح ستيفان زفايغ بمزاولة العلوم الاجتماعية وقراءتها، وهو انتهج في رواياته وسِيَره طريقة استبعدت كل ما يقرب من الاستفاضة والحماسة الغائمة، وكل ما يفتقر إلى الدقة والبيان».

وعلى شاكلة بريمو ليفي وآني آرنو، على أسلوب الباحث النحو إلى الإيجاز، وتجنب الإطناب المنفعل، والتخفف من المحسنات والزوائد، من غير الوقوع في الحياد البارد أو العيادي (السريري). وكتابة العلوم الاجتماعية تقتضي تعظيم موارد التدبر والتفكر، وتكثير أبواب التقصي ومداخله، وتوسيع دائرة الاستقامة في معاملة النفس ومعاملة الغير، والإصابة في اختيار اللفظة الدقيقة، والسعي في المناسبة بين الشكل والموضوع، وبين اللفظة والمدلول، وإيقاع العبارة والمسألة، والبناء السردي وحركة الفكر.

ويقوم النص في العلوم الاجتماعية على المقابلة والمقارنة بين «لغات» (لهجات) القول في صورة مقتطفاته، وكلمات، وصمت، وشكوك، وتعجب، ورسائل نصية و «بوست» على الفايسبوك. وهذه كلها تخرج خروجاً قاطعاً عن الأساليب المتبعة في البحوث. وعلى مثال العامية (الفرنسية)، لغة أهل العتمة في القرن التاسع عشر، و «ظاهرة أدبية وثمرة اجتماعية» على قول فيكتور هيغو في «البؤساء»، تنم اليوم أخطاء الإملاء وسقطاته بأثر البؤس، والطفولة المحطمة، والدراسة المتقطعة وغير المنتظمة، أي اختصاراً، بالإقصاء. والشاهد المقتطف هو، بهذه الحال، علامة احترام.

 

 

* أستاذ التاريخ في جامعة السوربون باريس المدينة (13)، عن «إسبري» الفرنسية، 11/2017، إعداد منال نحاس.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة