|   

النسخة: الورقية - دولي

قد يرتكب أبناء الوطن جرائم فظيعة بحق مجتمعاتهم ودولهم عندما يعملون ضدها، إلا أن لهذه الجرائم القوانين التي تعاقب عليها، أما التساهل بالدخول في دوامة إسقاط الجنسية فسيكون في هذه الحالة ضد مبدأ العدالة وفكرة الحقوق، ليس فقط بحق هذا الذي أسقطت جنسيته وإنما بحق المجتمع نفسه في تطبيق القانون الذي يخص الجرم المرتكب. إسقاط الجنسية هو في هذا السياق مكافأة وليس عقوبة، فالمعنى بات لديه المبرر لما يقوم به والسند لمن ينصره كلاجئ سياسي أو غير ذلك، وفي المقابل ضاعت حقوق المجتمع التي كان ينتظر استرجاعها بمعاقبة مَن ارتكب جرماً أو خيانة ما في حق بلده.

مناسبة هذا الكلام أنه في المرات الكثيرة ونتيجة للجهل بفكرة الحقوق بتداعياتها الخطيرة، قد تأخذ البعض حمية طرح قضايا مجتمعية مثيرة وحبذا لو جاءت من نواب برلمانيين يُشرّعون القوانين كما هو في الحالة المصرية، ليصنع قضية تثير الجدل مجتمعياً وقانونياً ودستورياً، على طريقة قانوني نزع الجنسية وإهانة الرموز. وعلى رغم صحة الجدل حول القضية فإن الخطورة تكمن في أن تنصاع الغالبية في البرلمان وتصدر قانوناً بسرعة يصُك مواد تحدد الحالات التي يتم فيها إسقاط الجنسية عن المصري الذي قد يخون أو يرتكب جرماً في حق بلاده، وهو أمر لن تدعه المحكمة الدستورية العليا بالتأكيد يمر مرور الكرام لتنـــاقضه مع فكرة الحقوق وقضية العدالة نفسها. وعلى رغم أهمية وقيمة مجلس النواب (البرلمان) المصري في المــرحلة الحرجة التي تمر بها البلاد منذ سنوات من إرهاب وغيـره، إلا أن له سقطات تنال من المجتمع والدولة نفسها التي يظنون أنهم يدافعون عنها بتصرف المراهقة هذا في إصدار مشاريع قوانين على هوى مجموعة تنافق الدولة وهي في تصرفاتها تضرها في مؤسساتها وفي تراثها القـانوني العريق. فالسنوات السبع الماضية، بتفاعلاتها في المجتمع المصري، كان يجب أن تكون دروسها واضحة أمام مَن يتبنون فكرة مشاريع هذه القوانين، مِن أهمية وجود الدولة القوية، وفي الوقت نفسه المجتمع القوي.

وعنوان الدولة القوية هنا يكمن في مدى اتساق دساتيـــرها وقوانينها مع فكرة الحقـــوق والعدالة، وهـــل هـــي تقتـــرب مِن هذه القيم السامية في نصوصها ويقابلها علــى مستوى الممارسة والواقع تطبيق وتنفيذ لهذه القوانين؟ والدولة القـــوية هنا أيضاً مهما عادى أبناؤها بلادهم ومهما ارتكبوا من جرم بحقها فيعاقبون وفقاً لقوانينها، وهنا لا استثناءات تُطبق ولا إعفاءات تصدر حتى لو وصلت إلى أحكام الإعدام، ما دام هناك جرم وقع في حق المجتمع والدولة لزم مَن ارتكبه أن ينال عقابه. أما الاستسهال مِن طريق إسقاط الجنسية، فسيكون مكافأة للمعني، ليزيد من جرائمه وتشهيره وليجد طوابير تنتظره ليبيع نفسه في أسواق العمالة ما دام هناك مَن سيدفع أكثر.

وقد يأتي من يقول، ماذا نفعل بهؤلاء الذين يتسببون بأضرار لأوطانهم ويقيمون خارج أراضيها؟ يعاقبون بالقوانين حتى لو تم ذلك غيابياً وليس بإسقاط الجنسية اتساقاً وقاعدة الحقوق.

وبالتالي، المطلوب إطالة النقاش حول هذه القضية ليحدث على الأقل تثقيف حول فكرة الحقوق التي يجب أن تكون محفوظة ومتطورة. فالقضية ليست تنافساً بين سلطتي القضاء والتشريع، بما أنه ينبغي العمل على إلغاء القوانين الجائرة، والانتصار للقوانين التي تعزز الحقوق. فهل يتسم البرلمان المصري برحابة الصدر وهو يتعاطى مع مثل هذه القضايا الشائكة التي لو لم تُدرس بعناية ستكون طعنة تشريعية موجهة لتاريخ هذه المؤسسة العريقة، وللنظام القضائي؟

 

 

* كاتب مصري

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available