|   

النسخة: الورقية - دولي

غزا المسلمون صقلية عام 827، وعلى رغم انتهاء النفوذ الإسلامي في القرن الحادي عشر بعد احتلال النورمان الجزيرة، رسخت تقاليد مشتركة لكل من جنوب إيطاليا والجزيرة العربية، وما زالت مستمرة. وفي الوقت الراهن، حيث تسعى الدول الخليجية لتعزيز أدائها الاقتصادي، يجب درس «المرض الإيطالي» الذي برز عام 1995، تفادياً لارتكاب الخطأ ذاته، وهو تفضيل الولاء على الأداء في مكان العمل.

مرت إيطاليا بمعجزة اقتصادية بعد الحرب العالمية الثانية، حولتها إلى أحد أقوى سبعة اقتصادات في العالم. ولكن تراجع نموها في الثمانينات، وفقد الاقتصاد ديناميته في شكل شبه مطلق بعد عام 1995، ما تسبب في أزمات مالية وعجز كبير في الموازنة العامة خلال الألفية الجديدة. فما هي أسباب هذه التحولات السلبية، وكيف يمكن الدول الخليجية أن تستفيد من هذه الخبرة؟

في ورقة بحثية جديدة بعنوان «تشخيص المرض الإيطالي»، حلل الباحثان برونو بيليغرينو (جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس) ولويجي زنجالس (جامعة شيكاغو) الاقتصاد الإيطالي، واكتشفا أن السبب الرئيس للتراجع في نمو الاقتصاد كان ضعف الإدارة والقيادة في القطاع الخاص، الذي يعود إلى نوعية فساد مألوفة في الدول الخليجية، وهي اعتبار الولاء أهم من الأداء عند تعيين كبار المسؤولين في الشركات.

وبالتحديد، بدأ تحول جذري في منتصف عقد التسعينات، شكّل أهم مصدر لنمو الاقتصاد العالمي للسنوات العشرين التالية، وهو ثورة الحاسب الآلي وشبكة الإنترنت. وتعتبَر تكنولوجيا الإنترنت مميزة لأنها تتطلب ذكاءً إدارياً للاستفادة منها، فلا يكفي مجرد شراء أجهزة كمبيوتر وربطها بالشبكة العالمية.

وعلى سبيل المثل، يوجد في السعودية منتجون منزليون متعددون يبيعون منتجاتهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهناك تباين كبير في أدائهم، على رغم التجانس الملحوظ في منتجاتهم. ويعود التباين إلى تميز بعض المنتجين في استخدامهم وسائل التواصل الاجتماعي، وذكائهم في التفاعل عبر الإنترنت، لأن النجاح على الإنستغرام يتطلب أكثر من إنشاء حساب ورفع صور.

واستناداً إلى بيانات تفصيلية حول نشاطات الشركات، توصّل مؤلفا البحث إلى أن الشركات الإيطالية استثمرت في الحاسب الآلي والإنترنت كنظيراتها في الاقتصادات المتقدمة الأخرى، ولكنها فشلت في الاستفادة من تلك الاستثمارات بالطريقة ذاتها. وبالتحديد، عانت الشركات الإيطالية من ضعف قيادي سببه تعيين كبار المديرين على أساس الولاء لا الأداء. وتمثّل هذه الثقافة إحدى النقاط المشتركة مع الحضارة العربية الحديثة، إذ تلعب الشركات العائلية دوراً أساساً في الاقتصاد الخليجي، التي تشمل ثقافة تعيين أعضاء العائلة في المناصب الكبرى لدى المنظمة.

ولكن يجب الأخذ في الاعتبار أن الاعتماد على الأبناء والإخوة والأقارب في إدارة الشركات، يشكل سياسة منطقية في البيئات التجارية التي تتصف بضعف في تطبيق القانون. فحينما تصعب الاستفادة من المحاكم للحفاظ على الحقوق، يتجه أصحاب الموارد إلى شبكات الثقة القائمة كبديل، على رأسها الشبكة العائلية، إذ توجد الثقافة ذاتها في الزواج، جزئياً لأن المحاكم لا تضمن حقوق المرأة في الزواج دائماً. واشتكى رجال الأعمال الإيطاليون منذ زمن طويل من بطء المحاكم وفسادها. والثغرة ذاتها موجودة في الشرق الأوسط، وتتسبب في المشكلات التجارية ذاتها.

وبالتالي يمكن نسب المرض الإيطالي بالأساس إلى ضعف أداء الجهاز القضائي، وبالتالي قد تكون التوصية الرئيسة للدول الخليجية هي أن عليها ضمان شفافية الإجراءات القانونية التي تحكم النزاعات التجارية، وسرعتها وموضوعيتها، كالدعاوى حول الالتزام بالعقود، وتسديد المستحقات، وحماية أصحاب رأس المال...

ولكن ثقافة الاعتماد على أعضاء العائلة في إيطاليا والشرق الأوسط تعود جزئياً إلى نقص في المهنية أيضاً، وليس فقط إلى تجاوب مع ظروف قانونية قابلة للتطوير. فهناك من ينظر لشركته كإقطاعية شخصية، ويفضل التحكم بالآخرين من خلال توظيف أعضاء العائلة على تعزيز أداء الشركة من خلال توظيف ذوي الكفاءة العليا. وسمحت نهضة النفط لشركات خليجية عدة بأن تستمر في هذا الأسلوب التجاري غير الفعال، لأن النفط عوض الاقتصاد عن الخسائر.

وفي مطلع عام 2017، برز تياران حديثان في الاقتصاد الخليجي، يدفعان رجال الأعمال إلى مراجعة سياسة التوظيف التاريخية:

أولاً: تراجع أسعار النفط، الذي يفرض على الشركات الخاصة أن تطور أداءها كي تتفادى الإفلاس، وما كان الاقتصاد قادراً على تحمله من تراخٍ إداري، أصبح غير قابل للاستدامة.

ثانياً: إطلاق السعودية حملة مكافحة الفساد، التي تمثل حلقة في سلسلة طويلة من سياسات تسعى الى تعزيز أداء المنظمات الحكومية. فلربما كان بعض الشركات السعودية يعيّن أعضاء العائلة في المناصب العليا، إمّا لأنها لا تثق فبعدالة النظام القانوني، أو لأنها تستغل ثغرات ذلك النظام. ولكن الرسالة الواضحة من الحكومة هي أنها ستـــكمل إعادة توزيع الكعكة الاقتصادية لمصلحة المنتجين ذات الصدقية، الملتزمين بالقانون، على حساب الاستغلاليين الفاسدين.

ختاماً، تشير خبرة إيطاليا إلى أن بعض المبادئ التقليدية التي تستخدَم لإدارة الشركات انتهى زمنها، إذ تحولت إلى عوائق كبيرة أمام بناء اقتصاد متين. ويجب على الشعوب الخليجية استيعاب هذا الدرس بأسرع وقت، والتعامل مع أزمات إيطاليا الاقتصادية كمعلومة قيّمة، بدلاً من مشكلة بعيدة وغير مفيدة.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة