|   

النسخة: الورقية - سعودي

<  كان الراحل علي عبدالله صالح يوصف بـ«الراقص على رؤوس الثعابين»، وهو تعبير يصف حياة طويلة من السير على خيوط رفيعة، عاش خلالها ممسكاً بالسلطة في بلد شديد التعقيد من حيث الولاءات السياسية والدينية والقبلية والطائفية والعائلية.
منذ بضعة أيام فقط رقص الرئيس السابق رقصته الأخيرة، ودفع بعدها ثمن سوء تقدير وسلسلة طويلة من الأخطاء، بدأت منذ الحرب الأولى مع جماعة الحوثي، التي دخل معها في ست حروب قيل إنه تعمَّد عدم القضاء عليها، معتقداً أن وجودهم سيكون معادلاً طائفياً للنمو المتسارع للإسلام السياسي السني في اليمن.
علي عبدالله صالح ارتكب جملة أخطاء؛ أولها: عدم القضاء على الحوثي، أو على الأقل نزع سلاحه في الحروب السابقة إذ كان منتصراً، ثانيها: أنه سكت على انتشار العقيدة الحوثية المنحرفة، وهي العقيدة الجارودية المنشقة عن الزيدية المعتدلة، ولم يَسْعَ لتشكيل تكتل مشيخي زيدي كان مطلوباً لإيقاف انتشار الجارودية في منطقة صعدة.
الخطأ الثالث: أنه تجاهل العلاقة الشائكة التي نسجها الحوثي مع إيران، سواءً علاقة عقائدية سمحت لإيران بحرف العقيدة الزيدية باتجاه شديد الخطورة يقوم على الحق الإلهي للحكم السلالي القائم على ولاية البطنين، وهو الانعكاس الجارودي لعقيدة الولي الفقيه الاثني عشرية، أم عسكرية في شكل تدريبات عسكرية وأسلحة.
والرابع: أنه اعتقد أنه بالتحالف الذي عقده مع الحوثي وتسليمه البلاد والعاصمة وجزءاً كبيراً من معسكرات الجيش والسلاح الثقيل، يستطيع استخدام القوة العسكرية للحوثي لإزالة القوى الثورية التي أسقطت نظامه، وتوجيه ضربة للإسلام السياسي السني، وتمهيد تسليم الرئاسة لابنه أحمد، لكي يحكم البلاد تحت حراب الحوثي، الذي سيلعب دور المرشد  الأعلى من وراء الستار.
والخامس: أنه لم يمتلك في الواقع أي مشروع غير السلطة والمال، بينما امتلك الحوثيون مشروعاً عقائدياً متكاملاً خلق وجوداً على الأرض، والخطأ السادس: أنه اعتقد أنه يستطيع الاعتماد على أنصاره من القبائل التي تحالفت معه لعقود، وجمع قادتها ثروات هائلة من ورائه، ولعل رجلاً بهذه الخبرة كان يجب ألا يفوته موقف بعض رؤوس القبائل خلال الحرب الأهلية في الستينات، بحيث كانت تقاتل إلى جانب الملكيين في الصباح ضد الجمهوريين، وتنقلب لتقاتل الملكيين في الليل إلى جانب الجمهوريين، مما يجعل الولاء السياسي لهذه القبائل ليس من المسائل التي يمكن التعويل عليها استراتيجياً.
والسابع: أنه بنى أغلب الكوادر السياسية المحيطة به على أساس الولاء الشخصي والمنفعة الشخصية هدفه المنفعة، وهو ولاء غير راسخ ولا مستمر، في الوقت الذي اعتمد فيه الحوثيون على أحلاف عقائدية شديدة الثبات صعبة الاختراق، مما يفسر أحداث الأيام الثلاثة الأخيرة.
 والخطأ الثامن: هو ما بدا أنه استسلام كامل خلال العام الأخير لسلسلة طويلة من الاختراقات التي قام بها الحوثي للحلقة الضيقة المحيطة بعلي صالح، مما مكنهم من معرفة تحركاته يوماً بيوم، بحيث يستطيعون اغتياله فور وجود قرار سياسي من الحوثي بتصفيته.
الذي حدث في الأيام الأخيرة، أنه أدرك خطورة مشروع الحوثي، وقرر فض التحالف والانقلاب علىه، ولكنه فوجئ بأن القوات والكتل البشرية التي استطاع تحريكها كانت أقل بكثير مما توقع، فلم ينتفض أغلب الشعب ضد الحوثي كما كان يعتقد، بل التحركات كانت شبه محصورة في صنعاء، وكانت أقل من أن تستطيع تطهير العاصمة كلها، وإن حققت نجاحات في بعض المواقع اعتماداً على عنصر المفاجأة، وأجزم شخصياً أن الحوثي لم يفاجأ بالانقلاب، بل تركوه يرتكب خطأه الأخير بإعلان الانقلاب، ليتمكنوا من تصفيته بسهولة وبمبرر الخيانة، وبسرعة خاطفة أذهلت حلفاءه وخصومه، مما يثبت مستوى الاختراق لصفوف الرئيس صالح، وقدرتهم السريعة والدقيقة على معرفة نواياه وتحديد موقعه وتصفيته، ولم تهبّ الجماهير الكبيرة التي توقعها أن تقف معه، ولا تحركت عناصر القوات النظامية التابعة له ضد الحوثي، ولا تحركت قبائل طوق صنعاء لاقتحام العاصمة واقتلاع الحوثي كما توقع،
لم أستغرب من اغتياله، بل أستغرب تأخر هذا القرار ثلاث سنوات، فالاعتقاد الأقوى أنه كان سيُغتال في الأيام الأولى من اجتياح الحوثي للعاصمة، لكنهم آثروا الحفاظ عليه طول هذه المدة بسبب حاجتهم له لاستكمال السيطرة على الدولة العميقة التي كان صالح يمسك بمفاصلها عبر أنصاره، فخلال السنة الأخيرة كان الحوثي يركز جهده على التمكين على الأرض عسكرياً بالسيطرة على مفاصل القرار العسكري والسلاح، وإدارياً بالسيطرة على مراكز الحكومة والوزارات كاملة، وهو ما حدث فعلاً، وهو ما كان خطأ صالح الأخير.
قتل صالح يجب أن يدفعنا لسرعة التحرك نحو لملمة الوضع السياسي/ الديني/ العسكري اليمني الذي كان يوالي صالح، وعلى رأسه الرؤوس الأربعة، أولها حزب المؤتمر الشعبي العام الذي يعاني من انقسام في الولاءات بين صالح من ناحية وبين الحكومة الشرعية التي يمثلها الرئيس هادي وبين من باعوا أنفسهم للحوثي، فيتم استقطاب الموالين لصالح، أما الرأس الثاني فهو القوى العسكرية التي مازالت موالية له، وعلى رأسها الحرس الجمهوري أو ما تبقى منه، والعمل على ضمه إلى جيش الشرعية، أما الرأس الثالث فهو القبائل التي كانت توالي صالح، ومحاولة إعادة تجييشها، مع عدم الإفراط في التعويل على هذا الجانب، أما الرأس الأخير فهو أعمدة الطائفة الزيدية ممن كانوا يوالون صالح، والاستفادة من مخاوفها من قيام الحوثي بتحريف العقيدة الزيدية التقليدية، ومحاولة دمج هذه القوى في ائتلاف تحت الحكومة الشرعية.
اغتيال عبدالله صالح انتكاسة كبيرة، لكن ليس نهاية الحرب في اليمن، فهناك الكثير من الأوراق التي يمكن اللعب بها.


* باحث في الشؤون الدولية.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available