|   

النسخة: الورقية - سعودي

 

< تتضح الحاجة إلى خلق استراتيجية وطنية رياضية فعالة، وذلك لتحقيق أهداف وتطلعات المجتمع السعودي والقيادة والتحول الرياضي لأجل الإسهام في تحقيق رؤية المملكة 2030، والتي تكمن في بناء مجتمع ينعم أفراده بنمط حياة صحي نشط واستخدام الرياضة كأداة أساسية، والارتقاء بالأداء الرياضي محلياً وعالمياً.

من هذا المنطلق لابد من التركيز على تطوير منظومة الرياضة كصناعة قائمة بذاتها، والاستثمار الأمثل للموارد والخبرات وبناء وتفعيل الشراكات لخلق بيئة رياضية جاذبة ومنتجة، لزيادة عدد الممارسين والمنتمين والمشاركين في منظومة تمارس العديد من الألعاب الرياضية، والوصول إلى مكانة متقدمة في مشاركة المملكة في الاستحقاقات والبطولات الدولية. نحن بحاجة ونحن نستطيع أن نصل إلى مراكز متقدمة عالميا إذا عملنا بذكاء ووظفنا مقدراتنا وتعلمنا من تجاربنا السابقة ومن تجارب الآخرين.

هنالك مجموعة من الجهات والقطاعات المهتمة والمعنية بالشأن الشبابي والرياضي التي يجب أن تعمل معاً وترسم استراتيجية وطنية رياضية شاملة ومنتجة من خلال العمل وتوزيع الأدوار وفق تخصص كل جهة لتقديم حلول وخدمات متكاملة لتطوير الرياضة وتحقيق الريادة وفقاً لرؤية المملكة 2030.

تجدر هنا الإشارة إلى ما تناولته «الرؤية» في هذا الموضوع، إذ نصت في محتواها على هدف مهم يتعلق بالرياضة وهو ارتفاع نسبة ممارسي الرياضة مرة على الأقل أسبوعياً من ١٣ في المئة إلى ٤٠ في المئة، وكذلك أوضحت الرؤية هدفاً مهماً وهو تصنيف ثلاث مدن سعودية بين أفضل ١٠٠ مدينة في العالم، وأضافت أيضاً هدفاً يتعلق بما سنتحدث عنه في هذه المقالة، وهو الارتقاء بمؤشر رأس المال الاجتماعي من المرتبة ٢٦ إلى ١٠.

تعتبر الهيئة العامة للرياضة قائد التنمية الرياضية والجهة الرئيسة المعنية بمواءمة ودعم وتسهيل عمل الجهات الأخرى لضمان التنفيذ الشامل للاستراتيجية الوطنية للرياضة، كما نرى هذا غالباً في الدول المتقدمة رياضياً من حيث الترابط والتعاون القوي بين جميع جهاتها الحكومية المعنية والقطاع الثالث في هذه الدول لضمان تنفيذ الاستراتيجيات الرياضية.

ينبغي أن ينصب كثير من جهد وتركيز الهيئة العامة للرياضة في السعودية على تطوير المسارات والفرص والشراكات التي تسهم في تنمية الرياضة وتلبي حاجة الشركاء والمهتمين، وعلى بناء نموذج متطور لضمان تنمية رياضية شاملة، والسماح بتوسع وإدخال مزيد من الألعاب الرياضية وتعزيز المشاركة المجتمعية وزيادة نسب الممارسة للرياضة وتشجيع جميع الفئات العمرية لتكون الرياضة سلوك وجزء من حياتهم اليومية، كما ينبغي على «الهيئة» رفع الكفاءة الإدارية التنظيمية والإجرائية وتسهل الوصول إلى المرافق الرياضية وإمكان استخدامها بما يحقق الكفاءة والفاعلية، وينبغي تشجيع وإشراك القطاع الخاص وتوفير فرص للدفع لأجل الاستثمار في الرياضة.

أيضا الهيئة العامة للرياضة هي المعني الأول بمسار التطوير المهني المستمر، وكذلك تصميم المحتوى التدريبي والتنظيمي، إذ إن من أدوارها تبني وتوفير حلول لتأهيل وتطوير الكوادر وتوفر إطار للتدريب الرياضي وضمان تنظيمه.

من جهة أخرى فـ«الهيئة» تقوم كذلك بدعم توجه المملكة للنهوض بالرياضة النسائية، وعليها أن تعمل على تشجيع الفتيات على ممارسة الرياضة وتطوير قدراتهن الحركية ودعم تطور مهارات الألعاب الرياضية والمشاركة في الأنشطة البدنية والترفيه، وإبراز إسهاماتهن في جميع الجوانب الرياضية وإنشاء وتطوير المرافق الخاصة بهن، ودعم المشاريع التجارية الصغيرة من الناحية الفنية وإصدار التراخيص الخاصة لافتتاح مراكز رياضية نسائية تخص اللياقة البدنية.

في المقابل، تعتبر اللجنة الأولمبية العربية السعودية هي أيضاًَ جهة راعية لتطوير الرياضة وأداء الرياضيين من النواحي البدنية والمهارية والفنية وتزويدهم بالخبرات المعرفية والوجدانية وإعدادهم إعداد شاملاً ليس فقط من الناحية البدنية والنفسية، بل وحتى الجوانب الثقافية والذهنية، سواء بشكل مباشر أم بتوجيه الاتحادات الرياضية وفق القيم والأخلاقيات الأولمبية، بحيث تعمل اللجنة الأولمبية على دعم الاتحادات لتطوير بطولاتهم وزيادة مشاركاتهم وإدارة رياضتهم وتمكينهم من تسويقها.

يؤثر التعاون الوثيق مع النظام المدرسي والجامعي على نجاح المنظومة الرياضة عبر ضمان رعاية المواهب الرياضية من سن مبكرة، وتطوير المسابقات المدرسية والجامعية لزيادة عدد رياضيي النخبة المحتملين، كما يجب أن تكون التربية البدنية ذات أولوية أعلى في نظامنا المدرسي للبنين وللبنات، وأن تكون البرامج التطويرية والمشاركة الجماعية والمسابقات متاحة على جميع المستويات وفي عدد كبير من الألعاب الرياضية، وأن يكون للجامعات أندية وفرق ومسابقات رياضية تنشط طوال العام.

يمكن الحديث عن مصدرين آخرين من طريقهما إمكان زيادة أعداد رياضيي النخبة؛ وهما القطاع العسكري والقطاع الأمني، إذ يجب أن تكون علاقة اللجنة الأولمبية أعمق مع هذه القطاعات ليرتفع عدد الرياضيين الممارسين والمحترفين إلى أرقام كبيرة مستقبلاً، نستشف من تجارب الدول الناجحة على المستوى العالمي للحصول على نتائج أعلى في المناسبات الرياضية نجد أن 33 في المئة من رياضيي البرازيل الذين مثلوها في أولمبياد ريو 2016 كانوا من القطاع العسكري، وأن 15 في المئة من رياضيي فرنسا هم من منسوبي قطاع الشرطة.

تمثل وزارة الصحة أيضاً هي الأخرى شريكاً وتلعب دوراً مهماً في توعية الرياضيين وبناء الاتجاهات الصحية السوية، ونشر المفاهيم والمعارف الصحية السليمة في المجتمع، وهي المعنية بتحسين الصحة على مستوى الفرد والمجتمع وتقديم المعلومات والحقائق الصحية التي ترتبط بالصحة والمرض لجميع شرائح المجتمع، وخلق برامج تعزز النشاط البدني، والتغذية الصحية من خلال برنامج وطني واسع النطاق، وأن تكون الراعية للرياضة من أجل الصحة.

لا نغفل أيضاً دور وزارة الشؤون البلدية والقروية والتي تعتبر شريكاً أساساً وعضواً فاعلاً في حاضر ومستقبل الرياضة السعودية وتشجيع المجتمع على ممارسة النشاط البدني والحركي وتهيئة البيئة المناسبة لذلك، بحيث يتمثل دورها بتمكين ممارسة الرياضة في المدن وتحويل المدن إلى مدن نشطة يمكن ممارسة الرياضة فيها من مشي ودراجات ورياضات أخرى، وتطوير الحدائق العامة الرياضية الحضرية وإنشاء الساحات والملاعب العامة وتفعيل هذه المرافق من خلال شركات مختصة، إذ إن التفعيل هو العامل الأهم لتعمل هذه المرافق بشكل منتظم وفعّال على مدار العام، مع تفعيل الأحداث الرياضية المجتمعية، كما يحتاج المجتمع أيضاً إلى إتاحة أماكن مناسبة للسيدات تمكنهن من ممارسة الأنشطة الرياضة بالشكل المناسب.

من جهة أخرى، تلعب السياسات دوراً مهماً جداً من الجهات المعنية بالحفاظ على الصحة وتعزيز النمط الصحي الرياضي، ويمكن الحديث هنا عن دور مهم لوزارة التجارة، إذ ينبغي عليها دعم الجهود الخاصة بنمط الحياة الصحي من خلال فرض ضريبة عالية على الدهون لجميع مطاعم الوجبات السريعة وضريبة على السكر، بحيث يتم استثمارها في بناء المرافق الرياضية وتفعيل الرياضة في جميع أنحاء المملكة.

هذه هي الجهات المعنية والتي يجب أن تعمل معاً وبإشراف مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية لضمان تحرك القطاع الرياضي بأكمله وابتكار الحلول وتطوير المنظومة وتمكين الشركاء والمستفيدين، إذ تشير المؤشرات إلى أن الرياضة السعودية متجهة إلى تغير كبير وتنمية غير مسبوقة في الرياضية وفق عمل استراتيجي ورؤية بعيدة المدى بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، إذ إن العمل جارٍ على تطوير برنامج مستدام ونظام يضمن زيادة عدد الممارسين من خلال المشاركة في مختلف الرياضات، والعمل على خلق مسارات لأجل تأكيد وتحقيق التميز والريادة والارتقاء في الأداء والوصول إلى أفاق جديدة ومستويات عالمية.

 

 

* استشاري في تطوير الشؤون الرياضية.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة