|   

النسخة: الورقية - دولي

جاء قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل بعد تمهيد مدروس، إعلامي وسياسي، مترافقاً مع ضغوطٍ مؤثرة في الحالة الفلسطينية الرسمية، كان آخرها التهديد بإغلاق ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، ومناقشة تخفيض المساهمة الأميركية المالية المقدمة للسلطة الفلسطينية. كما جاء القرار بعد إنجاز حكومة نتانياهو سلسلة من الإجراءات التي مسّت الوجود الفلسطيني في المدينة، وتوجتها بالاحتفالات المُكثفة التي أقامتها في حزيران (يونيو) الماضي، لمناسبة مرور خمسين عاماً على ما يسمى «توحيد القدس»، أي إتمام عملية احتلال المدينة الكامل بشطريها الغربي والشرقي. وقد بدأت تلك الاحتفالات غير المسبوقة، بكلمة لنتانياهو، كانت محشوة بعبارات الديماغوجيا والتزوير، وبمفردات الخرافة الميثولوجية التي بنت الحركة الصهيونية أساطيرها عليها، وأعاد فيها إنتاج الرواية الصهيونية من خلال قوله «إن القدس قبل وحدتها كانت في الحضيض واليوم هي مدينة مهمة، متطورة وعصرية» وهو أمر مجاف للحقيقة على كل حال.

لقد كرر بنيامين نتانياهو في خطابه في الذكرى الخمسين للاحتلال الكامل للمدينة، معزوفة أن «القدس كانت مُنذ القدم عاصمة شعب إسرائيل القومية وحدهم وليس أي شعب آخر، ولن يتم التنازل عنها أبداً». وأن «حرية العبادة فيها مصونة للجميع تحت السيادة الإسرائيلية». وأنها «لن تعود لتصبح إيليا كابيتولينا، أي المستعمرة الرومانية التي شيّدت على أنقاض المدينة».

لقد دمج نتانياهو في خطابه المشار اليه، بين لغة الأكاذيب ومفرداتها، والتضليل، خصوصاً في ما يتعلق بحرية العبادة، وبين العنصرية، عندما قال: «إن هذه البلاد كانت شبه فارغة في القرن التاسع عشر، وكانت عاصمة قومية لليهود فقط». وخلص إلى موقفٍ سياسي بأن القدس ستبقى «موحدة»، لأنها وِفقه «محور الوعي القومي الصهيوني»، وإنه «لا أحد له الحق فيها سوى اليهود».

لقد زاد منسوب التحدي الإسرائيلي للعرب عموماً وللفلسطينيين خصوصاً، بالنسبة الى مدينة القدس المُحتلة، نتيجة أمرين، أولهما الحالة العربية الرسمية المتهالكة والمفككة، والغارقة في أزماتٍ طاحنة، والبعيدة حالياً من متابعة القضية الفلسطينية بالشكلِ المطلوب. وثانيهما تنامي الرهان الإسرائيلي على الدور الأميركي المرتقب في المنطقة مع دونالد ترامب، وتنفيذه ما سبق أن وعد به بنقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب الى القدس، وبالتالي تكريس الاعتراف الأميركي بالقدس كعاصمة لإسرائيل، وهو ما يعطي قوة وحيوية للسياسات الإسرائيلية في شأن القدس ومشاريع تهويدها الكامل.

وفي فورة ارتفاع منسوب التحدي الإسرائيلي، أقدمت حكومة نتانياهو على عقد عدة جلسات أسبوعية بالقرب من ساحة البراق بالقدس القديمة المحتلة. وعقد أحد هذه الاجتماعات تحت الأرض قرب حائط البراق، وفيه تم الإعلان عن مشاريع ضخمة تحت ادعاء أنها مشاريع سياحية، منها تحت البلد ومنها فوق البلد، ومنها مخطط القطار الهوائي تجاه حائط البراق وجبل الزيتون، بالإضافة إلى مسار آخر لحدائق توراتية في جبل الزيتون مقابل المسجد الأقصى، وحتى محيط الأقصى في منطقة باب الأسباط سيكون حدائق يهودية، إضافة الى التواصل مع منطقة سلوان. ووفق تصريحات أطلقها وزير شؤون القدس في الحكومة زئيف ألكين بعد الاجتماع المشار اليه، فإن تشديد قبضة الأمن الإسرائيلي في القدس هو الضمان الأول لما أسماه «طابعها اليهودي»، لكنه أضاف الى الأمن عنصر تثقيف بعيد الأمد يتعلق بخطة لتوسيع تطبيق منهاج التعليم الإسرائيلي في المدارس العربية في القدس الشرقية.

إن الاحتلال بنى خططه الاستيطانية التهويدية على ثلاثة أبعاد، أولها الحفريات والبناء حول المسجد الأقصى والبلدة القديمة وآثارها التاريخية، فيما يتمثل البعد الثاني في استيطان وتهويد الأحياء العربية وتهجير سكّانها، والثالث في استيطان القرى المجاورة للقدس ومحيطها في إطار «متروبلين القدس الكبرى»، وهو ما يعني فرض حصار استيطاني على مدينة القدس بكاملها.

وبعد سنواتٍ طويلة من استمرار مشاريع التهويد الجارية داخل المدينة وعلى أسوارها وفي محيطها، يتم الآن طرح المخططات والإجراءات التهويدية التي تستهدف المناطق الشرقية من المدينة ومحيطها تحت عنوان «القدس 2050»، مترافقاً مع مشروع قانون «القدس الكبرى»، الذي قدمه عضو الكنيست (يهودا جليك) من حزب الليكود، وعضو الكنيست (بتسلائيل سيموترش) من حزب «البيت اليهودي»، وينص على ضم مستوطنات إسرائيلية تقع في المناطق المحتلة عام 1967 وتشمل مستوطنة غوش عتصيون ومستوطنة معاليه أدوميم. كما يشمل مشروع «القدس الكبرى» إقامة مجلس يرأسه رئيس بلدية القدس ويضم رؤساء مجالس المستوطنات الواقعة في الضفة الغربية التي سيشملها المشروع، والمستوطنات التي ستضم الى «القدس الكبرى» هي مستوطنات، بيتار عليت، معاليه أدوميم، جفعات زئيف، غوش عتصيون، إفرات، كفار أدوميم.

إن مدينة القدس، بجزءيها الغربي والشرقي، ومواطنيها الفلسطينيين أصحاب البلد الأصليين، تعاني بعد خمسين عاماً على احتلالها الكامل، من أوضاعٍ صعبة على كل المستويات، الخدمية والمعيشية، وهو ما جعلها أفقر مدينة فلسطينية. فحتى الإحصائيات الإسرائيلية تؤكد ذلك، حيث تجرى عملية هدم حثيث للمجتمع الفلسطيني المقدسي من خلال التضييق عليه سياسياً واقتصادياً، في مسعى إسرائيلي الى أن يكون الفلسطينيون الأصليون أقلية في المدينة، وتعمل لذلك على دفعهم الى مغادرتها والتفكير بالهجرة الى الخارج. فسياسات الاحتلال وضعت المقدسيين أمام خيارين من خلال التضييق الاقتصادي، إما الخروج من المدينة والانتقال إلى الضفة الغربية وحتى خارج فلسطين، وبذلك يخسرون إقامتهم في المدينة، أو التخلي عن هويتهم الوطنية، والاندماج والعيش الذليل على الهامش الإسرائيلي، وهما خياران أحلاهما مرّ.

الواقع المقدسي ليس قدراً، بل هو مبرمَج إسرائيلياً، إذ منذ اللحظة الأولى لاحتلال الجزء الشرقي للمدينة في حزيران 1967، حيث الحرب غير التقليدية، والمُتصاعدة ولو في شكلٍ خافت ومن دون ضجيجٍ كبير معظم الأحيان، والتي تَشُنها سلطات الاحتلال الإسرائيلي ضد المواطنين المقدسيين أصحاب الوطن الأصليين داخل أحياء المدينة على وجه التحديد. حرب لا تستخدم فيها الأسلحة التقليدية، إنما يُستخدم فيها سلاحان مزدوجان: أولهما عملية مصادرة البيوت والضغط على الناس بوسائل مختلفة، ومنها التطفيش والمضايقات اليومية، والتهديد بسحب الهويات المقدسية، وحتى الإغراء المالي، لبيع منازلهم الى مجموعات يهودية تعمل تحت عناوين مختلفة على الانتشار داخل الأحياء الشرقية من المدينة لتهويدها من داخلها. وثانيهما استخدام السلاسل والزنازين وحملات الاعتقال ضد مواطنين مدنيين عُزّل، وأحياناً القليل من الرصاص الحي والرصاص المطاط، لكبح عمل مجموعات النشطاء السلميين من الشبان والشابات في دفاعهم عن القدس والأقصى.

ووفق المعطيات الإسرائيلية لعام 2015 على سبيل المثل، يشكل الفلسطينيون حوالى 37 في المئة من سكان المناطق التي تقع في نفوذ بلدية القدس الكبرى (الشرقية والغربية) والذي تضاعف مرات عدة، في حين تصل نسبة الفقر بين فلسطينيي القدس إلى حوالى 79 في المئة، ونسبة البطالة تصل إلى 30 في المئة، وهي تشمل مخيم شعفاط والبلدات الفلسطينية الصغيرة في محيط المدينة. أما نسبة اليهود المتزمتين (الحريديم) فتصل إلى 23 في المئة، وتصل نسبة الفقر في أوساطهم إلى 50 في المئة، وعموماً الحريديم هم من الشرائح الأفقر في إسرائيل. أما البقية من سكان المدينة، أي 40 في المئة تقريباً، فهي من المستوطنين الصهاينة من اليهود العلمانيين والمحافظين، وتصل نسبة الفقر لديهم إلى 27 في المئة. ووفق المعطيات الفلسطينية، تفوق نسبة الفقر في القدس مثيلتها في قطاع غزة المحاصر (تراوحت ما بين 40 في المئة إلى 65 في المئة)، ويقدر بأن 117 ألف طفل مقدسي يعيشون تحت خط الفقر من أصل 230 ألف مقدسي يعيشون تحت خط الفقر وفق المعايير الإسرائيلية.

وعليه، تعيش المدينة المقدسة لحظاتٍ حاسمة من تاريخها، وقد بات سيف التهويد مُسلطاً عليها في شكل غير مسبوق، وهي تنتظر تحركاً على كل المستويات من أجل إنقاذها والحفاظ على عروبتها وإسلاميتها ومسيحيتها، ودعم المؤسسات الوطنية القائمة فيها، ودعم صمود مواطنيها الباقين على أرضها على رغم سياسات الاحتلال الهادفة الى دفعهم للخروج من مدينتهم.

إن واقع القدس الراهن، في ظل استمرار زحف التهويد والاستيطان، يجب أن يقابل الآن قبل الغد باستراتيجية عربية وإسلامية حقيقية، ترى في القدس مدينة مقدسة عربية فلسطينية، وأن أهلها يشكلون جزءاً من الشعب الفلسطيني، والتوقف عن تركهم في مواجهة مصيرهم وحدهم.

 

 

* كاتب فلسطيني

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة