|   

النسخة: الورقية - دولي

بعض الأصوات العربية التي أتيح لها مجال التعليق في الصحافة الأميركية المرئية والمسموعة على خطوة الرئيس دونالد ترامب نقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس، والإقرار بالقدس عاصمة لإسرائيل، جاءت على ذكر «المسيحية الصهيونية» كطرف يتحمل مسؤولية الخطوة إلى حد ما. وإذا كان لهذا المصطلح تاريخ يبرر نشأته، ورواج مستمر في الأوساط الفكرية العربية، فإنه فعلياً استنفد مضمونه في الولايات المتحدة، بل أمست الإشارة إليه مشحونة بما يجعل استدعاءه ذا نتائج عكسية.

لا بد ابتداءً من التشديد على أن خطوة نقل السفارة إلى القدس لا تلقى في الولايات المتحدة الاعتراض إلا من باب السياسة السجالية والمصلحة المباشرة. فالرأي الغالب في الأوساط العامة، حيث ثمة رأي في هذا الشأن، هو أن المسألة سيادية تتعلق بدولتين، الولايات المتحدة وإسرائيل، مع حق إسرائيل في اختيار عاصمتها، ومع تجاوب الولايات المتحدة مع هذا المطلب الإسرائيلي على رغم ما يلقاه من اعتراض تعسفي في الخارج، فتأييد إسرائيل في الولايات المتحدة ثابت ومترسّخ، لا على أساس دعايات ما، بل انطلاقاً من اعتبارات مبدئية وثقافية وعقائدية وسياسية، فإسرائيل تعتمد النظام الديموقراطي وهي دولة قانون ومؤسسات، في محيط يعاديها، وهو بعيد من هذه المقومات.

أما مظلومية الفلسطينيين، والتي سبق أن بدّد أحقيتها اعتماد الأعمال الترويعية، بل الابتهاج في الأوساط الفلسطينية والمؤيدة لها بقتل المدنيين الإسرائيليين، فقد تلاشت في الوعي الجمعي في الولايات المتحدة نتيجة ما شهده المحيط العربي من قتل وتدمير، حيث العربي يفتك بالعربي أضعاف ما أصابه في مواجهته الإسرائيلي، من دون أن يصدر عن هذا المحيط استهجان وغضب مقابلان لما ينهمر على إسرائيل عند أي مواجهة.

هذا لتبيان أن التأييد لإسرائيل ليس ناتجاً من غياب المعلومة عن الواقع الفلسطيني، ولا عن الدعاية الترويجية، بل عن القراءة المنسجمة مع القيم السائدة في أميركا.

أما «المسيحية الصهيونية» فيمكن ملاحقة أصولها إلى رؤية لاهوتية استتبّت في الأوساط البروتستانتية خلال القرن الـ19، مع بروز االتوجهات الأصولية الإنجيلية، وهذه الرؤية هي «الأدوارية» (Dispensationalism)، التي تفصل العلاقة بين الرب والناس تبعاً لأدوارٍ، أولها «دور بني إسرائيل»: فهو الشعب المختار حتى قدوم المسيح، ومع المسيح يبتدىء الدور التالي، «دور الأمم» حيث الكنيسة الجامعة تجسيد الشعب المختار. أما مع اقتراب الساعة، كما كانت القناعة في القرن التاسع عشر، فالدور يعود مجدداً إلى اليهود، إذ يجتمعون في أرض الميعاد لاستقبال المسيح في قدومه الثاني.

والتزامن بين هذه الرؤية والحركة الصهيونية ليس عرضياً، لكنه ليس سببياً. لكن عودة اليهود من الشتات إلى فلسطين، كما «استرجاع» إسرائيل لمدينة القدس وحرم هيكلها، قدّم للأدوارية زخماً قاطعاً، إذ بدا أن توقعاتها حول القدوم الثاني للمسيح تسير نحو التحقق. كان بالإمكان، إذاً، الحديث عن «مسيحية صهيونية»، وإن بشيء من التجاوز، لا سيما أن عدداً من رجال الدين المسيحيين ساروا في طقوسهم، من باب التمثّل بالعهد القديم، نحو قرابة التماثل مع الشعائر والطقوس اليهودية، وإن بقيت العلاقة ملتبسة بينهم وبين اليهود كمجموعة دينية لا تقرّ بيسوع مسيحاً.

لكن الأدوارية اليوم تراجعت بوضوح، فأصبحت عرضة للنقد الشديد في عديد الأوساط الإنجيلية التي سبق أن احتضنتها، وذلك مع تنفيس التوقعات بالقدوم الثاني للمسيح إثر سلسلة تنبؤات لم تصدق، ومع عودة التأكيد على أولوية الكنيسة، وإن بالصيغة الفئوية غير الجامعة، كتجسيد للشعب المختار. وإذا كان ثمة حركة لاهوتية جديدة ذات زخم واندفاع يقابل ما كانته الأدوارية في عقود ماضية، فهي الحركة الملكوتية الداعية إلى تطبيق الشرع الكتابي وإقامة الدولة المسيحية، بما يحاكي ما شهدته الأوساط الإسلامية المتشددة، وإن بمقادير أقل بالنسبة إلى تأثيرها في عموم مجتمعها. وعودة اليهود من الشتات ليست موضوعاً رئيساً لدى الملكوتيين.

إلا أن تراجع الأدوارية لا يعني البتة تبدّد التأييد لإسرائيل في الأوساط المتديّنة في أميركا. غالب المواطنين هنا مسيحيون، ويمكن فرزهم إلى ثلاث مجموعات، على قدر كبير من التنوع داخل كل منها، مع مادة أساسية مشتركة يمكن اعتبارها جوهر المسيحية الأميركية: الإنسانية، الوطنية، حق الاختلاف. وأكبر هذه المجموعات الطوائف والكنائس الإنجيلية، وهي المشتقة من البروتستانتية والمتشبّعة بنفحات روحية وغيبية. والمجموعة الثانية عدداً هي الكاثوليكية، وهي تتميز إلى حد ما عن سائر الكاثوليكيات في أرجاء العالم في تشبّهها بالبروتستانتية اجتماعياً وفكرياً. والمجموعة الثالثة هي البروتستانية التاريخية (كنائس الخط الأساس)، والتي على رغم تضاؤل أعدادها نسبياً لا تزال المنتج الأول لطروحات التديّن والمدنية التي ترسم معالم الدين المسيحي الأميركي.

هذه الكنائس كافة تقبل بلا تحفظ التجلي الإلهي في الدين اليهودي، وتقرّ بمظلومية اليهود التاريخية على أيدٍ مسيحية، وتناصر إسرائيل كمجتمع يشاركها القيم. فانحسار التأييد الغيبي لإسرائيل، والذي كان معقله الأدوارية و «المسيحية الصهيونية»، لا يطال صلب التعاطف مع إسرائيل واليهود في عموم الثقافة الأميركية، وما ينطبق على المجموعات الدينية يصحّ على اللادينيين والملحدين. وحدهم عتاة المتطرفين عند الهامش الثقافي يعتنقون العداء لليهود، انطلاقاً من توجّسات بأن هؤلاء، كجماعة، يسيطرون على العالم.

والمعادون لليهود هؤلاء قد يجاهرون بمواقفهم أحياناً، كما في حوادث شارلوتسفيل الصيف الماضي، لكنهم غالباً ما يلجأون إلى مصطلح «الصهيونية» بديلاً من اليهودية. بل تكاد كلمة «الصهيونية» لا ترد في أميركا إلا في أدبيات اليمين المتطرف واليسار المتطرف. فإضافة إلى أن مصطلح «المسيحية الصهيونية» استُهلك من حيث المضمون، فإنه تلاصُقه بالطروحات المتطرفة يؤدي إلى النفور عند طرحه خارج هذه الأوساط. وإذا كان المقصود بالمصطلح الإنجيليين، فالأصح الإشارة إليهم بالاسم، ففي أوساطهم يكثر فعلاً التأييد لإسرائيل، من دون أن يكون التأييد خلاصة قراءاتهم اللاهوتية.

ترامب أقدم على خطوته بالدرجة الأولى لاعتبارات آنية ذاتية وداخلية، فهو وفى بوعد انتخابي ونفّذ ما امتنع عنه غيره من الرؤساء، وطوّق طاقمُه خطوته كيلا تتفاقم ضرراً. أما الحديث عن دور «المسيحية الصهيونية» في خطوته، فيعمّي واقعاً متشعّباً عند المتابع العربي من دون النجاح في تقديم مادة نقاش للمتابع الأميركي.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة