|   

النسخة: الورقية - دولي

لعل الجدل الوحيد الذي علا ضجيجه في ما خص الخيار العسكري في سورية هو بين مؤيد له ورافض. هذا الجدل دام سنوات على رغم تقدّم الخيار العسكري في الميدان، وعدم قدرة مؤيديه أو رافضيه على التحكم به أو إيقافه. ولأن الجدل بقي خارجياً بالنسبة إلى الوقائع، فقد بقي إلى حد كبير فاقداً المعرفة، باستثناء تبرير ما هو معروف عن وحشية النظام التي استجلبت الخيار العسكري، أو رفض العسكرة بذريعة نتائجها المدمرة على المناطق المحررة أو على مجمل البلد. أما التيار الذي يُعرّف نفسه سلمياً من حيث المبدأ، فأغلب الظن أنه يفتقر إلى سوابق ناجحة يُبنى عليها في المنطقة، بل يذهب منهم بعض ناقدي عنف المعارضة تحديداً إلى الاستدلال بأن التاريخ السياسي للمنطقة هو تاريخ من العنف.

نحن إزاء تجربة عمرها ست سنوات، بقي أثناءها التعاطي معها أقرب إلى الانفعالات. قليل من نقد المؤيدين لها كان يتقدم مع الهزائم وسط شماتة الرافضين وفورات من الحماس ترافق الانتصارات مع انتظار الشامتين بالهزيمة القادمة، في حين أن نسبة ضخمة من جمهور الطرفين ليست على تماس مباشر مع وقائع الميدان، وفيها قسم لا يُستهان به تجوز مساءلته عن الهوّة بين حماسه الشديد للعسكرة وعدم انخراطه فيها، ومن ثم إخلاء الساحة للقوى المعروفة.

من دون تفكّر في هذه النقلة، أصبحت التسمية الجديدة للمناطق المحررة هي «مناطق خفض التصعيد». لكن النقلة الأخيرة سبقتها نقلة مهمة لم نتوقف عند مدلولاتها من قبل، وهي الانتقال من تسمية المناطق المحررة إلى تسمية «المناطق المحاصرة». الانتقال حصل تدريجاً منذ نهاية 2012، وحينها بدا واضحاً عدم وجود دعم دولي لسيطرة فصائل معارضة على مدينة دمشق بعد التقدم السريع الذي أحرزته، وعادت قوات الأسد إلى استلام زمام المبادرة، وخلال ستة أشهر تمكّنت من إحكام الحصار على المناطق المحررة شرق العاصمة وغربها.

في الوقت الذي حاصرت قوات الأسد المناطق المحررة في دمشق، كانت فصائل معارضة تواصل تقدمها في أحياء من مدينة حلب وفي ريفها. ذلك التعويض كان يعني شيئاً محدداً، هو الانتقال من مشروع إسقاط الأسد في معقله إلى حرب استنزاف طويلة الأمد، قد تجبره على الحل السياسي وفق القرار الأميركي.

في كل الأحوال، كانت إمدادات فصائل المعارضة تخضع لرقابة غرفتي المخابرات الأميركية في الأردن وتركيا، وتتحكم عملياً بالجبهات والاستراتيجيات الكبرى. أيضاً في الوقت ذاته، سيبدأ تدفق المقاتلين الأجانب بكثافة، من تنظيم القاعدة وسواه، وكان حزب الله وطلائع الميليشيات الشيعية أسبق بالوصول لمؤازرة قوات الأسد.

عمليات الانشقاق التي كانت حدثت صبّ قسم كبير منها في معسكرين، في تركيا والأردن، وظهر ما يشبه الاتفاق الضمني على تحييد المنشقين وعدم إشراكهم في القتال، مع إبقائهم ضمن ظروف لا تشجع أقرانهم، فهم لا يُعدّون كجيش وطني ولا يعيشون الحياة الاعتيادية للاجئين الآخرين. يُذكر أن المجلس الوطني السوري الذي أنشئ خريف 2011 نأى بداية عن تبنّي الخيار العسكري وأولئك المنشقين، بينما كانت عمليات التسليح قد بدأت على أسس بعضها مناطقي والآخر إسلامي، ما يعني أن العسكرة منفصلة في نشأتها عن المستوى السياسي، مثلما هي خارج أي استراتيجية وطنية شاملة، وهذا مدخل يسهّل ضبطها من قوى الخارج.

حرب الاستنزاف، التي أعقبت «حرب التحرير»، استمرت حتى نهاية صيف 2015، وفيها أوقعت قوات الأسد خسائر باهظة بالمناطق الخارجة عن سيطرتها، إلا أنها أيضاً خسرت نسبة مؤثرة جداً من قوتها البشرية وصارت أكثر اعتماداً على الميليشيات الشيعية. في ذلك الصيف أعلن بشار الأسد في خطاب له عدم قدرته مع تلك الميليشيات على الاحتفاظ سوى بالمناطق الحيوية له، لتأتي النجدة بالتدخل العسكري الروسي المباشر، وليبدأ انحسار مناطق سيطرة المعارضة، وصولاً إلى الاسم الرمزي لفشل الخيار العسكري، وهو «مناطق خفض التصعيد». الإبقاء على «مناطق خفض التصعيد» يسمح بعدم نعي ذلك الخيار، وربما يكون حاجة روسية أيضاً، لأن بقاء تهديد المعارضة «ولو معطلاً» مفيد لموسكو في ضبط بشار وطهران أكثر من إعلان النصر التام.

قبل سنة، عندما سيطرت الميليشيات الشيعية على مدينة حلب بعد انتقالها من طور التحرير إلى طور الحصار، كانت الشخصيات التي قادت الطور الأول قد قُتلت أو صُفّيت، وفي مقدمها قائد لواء التوحيد عبدالقادر صالح الذي استمد شعبيته باستقامته في الحرب، على رغم أنه لم يتحسّب إطلاقاً لفخ التحالف مع الإسلاميين، والعقيد يوسف الجادر الذي اشتُهر ببكائه وغصّته الوطنية لحظة انتصاره في معركة كبرى. قبلها بنحو ثلاثة أشهر، كان «جيش الإسلام» قد أعدم «أبو علي خبية» ثم وضعه مصلوباً على سيارة جالت في بلدات الغوطة الشرقية. وخبية أحد قادة التحرير، بخلاف إمارة الحرب التي أنشأها جيش الإسلام على مساهمة ضئيلة في طور التحرير. وإذ جمع خبية كافة مثالب «البطل الشعبي» التي كانت محل تندّر أو استهجان، فبعض منها جعله عدواً للإسلاميين الذين أعدموه. وأيضاً قبلها بنحو ثلاثة أشهر، كانت قوات الأسد قد سيطرت على «داريّا» في الغوطة الغربية، وهي ربما البقعة الوحيدة الباقية التي انتقلت من طور التحرير إلى طور الحصار من دون أن تتأثر بمنطق إمارات الحرب.

إن لم يكن الخيار العسكري، كما شهدناه حتى الآن، قد انعدم، فقد صار تحت رحمة المشيئة الروسية. ومع ذلك، ليس هناك من تقدّم لنعي التجربة، بل يمكن القول بوجود صمت متعمّد، بعضه ناجم عن الإحراج وبعضه عن المكابرة. ربما هناك أيضاً من يرى في نقد التجربة أو البحث فيها شأناً فات أوانه، وأنها هي ونقدها أصبحا من الماضي. لكن تجربة كهذه، استهلكت ما استهلكته من أرواح ومقدرات وقد لا تكون بعيدة عن التأثير في المستقبل السوري، تستحق التوقف عندها من أجل فهم أفضل لأحوالنا اليوم. وأكثر ما يستحقه السوريون أن ينطق «شجعان» من أبناء التجربة نفسها، فيكشفوا عن «صندوقها الأسود»، وألا تكون شجاعة مواجهة الأسد أيسر من هذه المواجهة.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة