|   

النسخة: الورقية - دولي

منذ عهد إدارة كلينتون، لم تعد واشنطن تشمل القدس الغربية في لائحة الأراضي المحتلة. وأميركا هي البلد اليتيم الذي أعلن نقل سفارته رسمياً إلى القدس، ويرجح أن يرجأ النقل هذا إلى نهاية ولاية ترامب. فالقيود القضائية والأمنية الأميركية كثيرة.

وقد تسير بعض الدول على خطى أميركا. فقنصليات دول كثيرة فتحت أبوابها في القدس في الثمانينات. ولكن، مثل هذا الاعتراف لا يعتد به قضائياً. وهو اعتراف فحسب بواقع. ولكم يتمنى المرء أن تعود الأمور إلى روحية 1947 ولكن هذا أثر بعد عين، وحلم ديبلوماسي ضعيف الصلة بالواقع. ويدرك الفلسطينيون أن إعلان ترامب لن يغير شيئاً في حياتهم اليومية. وشاغل البلدان العربية الحرب في سورية والاستقرار الداخلي... والتحدي الإيراني. والعين على الأردن: ففي هذا البلد يقيم شطر كبير ممن هم فلسطينيو الأصل. وفاقم هشاشته تدفق اللاجئين السوريين. وقرارات الوقف في الحرم الشريف وثيقة الصلة به. ولكن، ثمة مبالغة في قول مَن لم يحرك ساكناً تقريباً في سورية، أن إعلان ترامب يضرم النار بالمنطقة.

ويبدو أن الرئيس الأميركي يراهن على وهن السلطة الفلسطينية ويرى أنها في نزعها الأخير وقد تصدع بتنازلات كبيرة. وهذا ما أستبعده. فرام الله ترى أن قرار الرئيس الأميركي مهين، وليس على أنه دعوة إلى السلام. والإسرائيليون لم يطالبوا بمثل هذا الاعتراف ولا بنقل السفارة. وتعارض الأوساط الأمنية في الدولة العبرية قرار ترامب، وتخشى اضطرابات جديدة. وعلى قدر ما أرى أن حل الدولتين لا يزال في المتناول، لا أرى أن تقسيم المدينة ممكن. فالشطر الشرقي منها لم يضم شكلياً إلى إسرائيل، لكنّ قراراً صادراً في 1980 جعل القدس عاصمة موحدة لإسرائيل. ومنذ 1967، انتُهجت استراتيجية تنظيم مدني وإنشاء مستوطنات تحول دون تقسيم المدينة وتجعله شبه متعذر. والمدينة الوحيدة التي صارت عاصمة دولتين، نيقوسيا، لا يعود تاريخها إلا إلى 1974 مع احتلال تركيا شمال الجزيرة القبرصية. ولا يريد الفلسطينيون أن يفوزوا بعاصمة ترضية أو «قدس الفقراء» في أبوديس، البلدة الصغيرة على تخوم المدينة هذه.

وسواء أعجب شطر غالب من الرأي العام العالمي أم لا، تقع مسؤولية الإخفاق المتتالي في عملية السلام على عاتق القيادة الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية التي ترفض المساومة، على حد سواء. واليوم، يشوب أبرز تناقض عملية السلام في الشرق الأوسط: فمن جهة، لم يكن السلام يوماً أقرب مما هو عليه اليوم. فحل الدولتين مع تعديل الحدود - وضم كتل استيطانية دينية قريبة من خط وقف النار في 1948 - مقبول اليوم أكثر مما كان في السبعينات والثمانينات. ولا تعوق المستوطنات في الضفة الغربية حلاً واقعياً. ولكن من جهة أخرى، السلام لم يكن يوماً بعيد المنال على ما هي الحال اليوم: لا مبالاة الجانب الإسرائيلي وتطرفه، والافتقار إلى مشروعية سياسية وانقسام في الجانب الفلسطيني... والرؤية إلى «حل نهائي» في الجانبين، متعذرة. ولكن، هل في مقدور العواصم العربية الكف عن رفع لواء القضية الفلسطينية - والانسحاب هذا يرجح كفة طهران و «حماس» و «حزب الله»؟

 

 

* خبير في الشؤون الاستراتيجية، عن «لوفيغارو» الفرنسية، 8/12/2017، إعداد منال نحاس.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة