|   

النسخة: الورقية - دولي

استمرار طهران في دعم الميليشيات المختلفة الموالية لها وفي إسناد نظام دمشق يلهب حروب الإقليم، كما أن دعمها المتعاظم لقوات الحوثي في اليمن لا يهدف إلا لتثبيت حليف دائم في الساحة الخلفية للسعودية، أو حليف يهدد بأن يكون كذلك.

مع مطلع 2018 ليس هناك ما يوحي باحتمال توقف هذه الحروب التي تهدد مستقبل شعوب المنطقة، والعرب منهم على وجه الخصوص. وباتت إيران وفق هذه السياسة تدوس على ما رفعته سابقاً من شعارات «مقاومة وممانِعة» لتعبئة رأي عامٍ بات يدرك مع مرور الوقت هشاشة وضلال تلك الشعارات، كما يبدو أن روسيا بدأت تطرح تساؤلات على طهران في هذا الخصوص.

ولكن على رغم ما حققته تلك السياسة من نجاح إن كان في المشرق أو الخليج، هناك ملامح توحي باقتراب بداية النهاية لهذه السياسة في العام الجديد، وهناك أسباب عدة لذلك. فثمة تحديات كبرى ومتعددة تواجه طهران وحلفاءها، بما في ذلك ميليشيات «حزب الله»، ناجمة عن سياستها التدخلية في غير مكان في الإقليم. فتوسع إيران العسكري السريع بدأ، بدوره، ينوء بثقل الأسئلة المطروحة بين صفوف النخب الحاكمة في طهران حول جدواه وقدرة البلاد على تحمل التدخل في السنوات المقبلة، ما قد يتطور نحو ظهور حالات من التذمر بين النخب.

منظومة «الحرس الثوري الإيراني»، وهي المؤسسة الأقوى في الدولة، هي المسؤولة مباشرة عن قيادة العمليات في سورية والعراق على الأقل منذ ست سنوات. فقد تمكنت إلى جانب «وحدات الحشد الشعبي» العراقية أخيراً، من التقدم في العمق السوري وعززوا وجودهم في الأراضي السورية متنقلين على الطريق الدولي الاستراتيجي الذي يربط العاصمة بغداد بمدينة دير الزور شرق البلاد. ووفقاً لمعلومات معارِضة ثمة قوافل عدة من العربات الثقيلة والمعدات وآلاف الرجال التابعين للحرس والوحدات، تم تحريكها في العمق السوري من معبر أبو كمال عند نقطة العبور المشتركة بين العراق وسورية. وبات هذا التحريك ممكناً بعد تغلب قوى الحرس والوحدات على قوات «داعش» في المنطقة.

في هذه الأثناء، تقوم واحدة من القوات الخاصة التابعة للحرس، ميليشيات «بسيج»، بنشاط واسع منذ ثلاث سنوات على الأقل في تأسيس نسخة سورية من «وحدات الحشد الشعبي العراقية» سُميت «قوات الدفاع الوطني». وتمول إيران هذا المشروع مباشرة كما يقوم بتدريب عناصرها خبراء إيرانيون يختارهم قائد «قوات القدس» الجنرال قاسم سليماني.

الآن، وبعد هزيمة «داعش» والقضاء شبه التام على قوى المعارضة المسلحة و «الجيش الحر» السوري بدعم شامل من الطيران الحربي الروسي المنتشر في أجواء سورية، تمكن «الحرس الثوري» من تأسيس طريق آمن لعناصره بدايته في طهران ونهايته في بيروت. هذا الطريق يعبر البوكمال إلى دير الزور ويصل إلى دمشق، إذ بات الآن بمقدور الجنرال سليماني الانتقال بسيارته من دون إعاقة من طهران وحتى بيروت.

ولم يعد الأمر سراً في شأن الدور الحاسم الذي لعبته ميليشيات «قوات القدس» و «حزب الله» في إطلاق النسخة السورية منها، أي «قوات الدفاع السورية»، في 2013، إذ يقدّر عديد هذه القوات الآن بحدود 100000. وكانت واشنطن قد أعلنت عن معرفتها بتأسيس هذه القوات قبل عامين وعن دور إيران المباشر في إطلاقها على نمط الباسيج. وقد حققت هذه القوات وقوامها من المتطوعين المحترفين من الرجال والنساء، نجاحاً كبيراً نظراً إلى ما تقدمه من حوافز متعددة لا تتوفر لدى مؤسسة الجيش الوطنية.

ويعتقد كثيرون أن إيران تضطر لاستخدام موارد تفوق قدراتها الطبيعية تنفيذا لهذه الاستراتيجية، ما قد يؤدي إلى إنهاكها اقتصادياً في المدى البعيد. وإذا ما أضيف إلى مخططاتها في المشرق ما تقوم به من دور خبيث في اليمن ودعمها الأعمى لحركة الحوثيين، فهذا يتسبب في زيادة الضغوط المعيشية على الإيراني العادي في مجتمع تعاني موارد دولته من فساد عارم ومن هوة تتسع يومياً بين فئة أثريائه القليلة والآخرين من أبناء الشعب.

الإيرانيون العاديون يدركون جيداً أنه لا يوجد أي هدف استراتيجي مصيري وراء تدخل بلادهم في اليمن، وأن لا هدف من وراء دعم الحوثيين غير إقامة نظام حكم متحالف مع طهران في الساحة الخلفية للسعودية. وبدأ هؤلاء يطرحون أسئلة حول الجدوى الاقتصادية للوجود العسكري الإيراني في بلاد تبتعد عشرات آلاف الأميال من بلادهم. «الحرس الثوري» يرى أن وجودهم في اليمن مرتبط بسياستهم العدوانية ضد عرب الخليج ومصالحهم كما يعزز سياسة طهران ونفوذها في منطقة باب المندب الذي يعبر من ممراته نحو 3-4 ملايين طن من النفط السعودي.

من ناحية أخرى، يبدو أن سياسة إيران في الإقليم بدأت تؤثر في علاقاتها الحديثة التشكيل مع روسيا، إذ أعرب الرئيس فلاديمير بوتين عن تضايقه من الأمر، لا سيما تمادي «الحرس الثوري» في تحركاته الإقليمية، وبخاصة في سورية، وهي مسألة تلامس صلب سياسة موسكو. وتعتقد هذه الأخيرة أن تحركات «الحرس الثوري» الأخيرة التوسعية في سورية قد تلحق أضراراً بمساعيها إلى تحقيق السلام في البلاد. فقد تقدم الروس في الأشهر الأخيرة، لا سيما مع فشل دورات جنيف التفاوضية في أن تحقق أي نجاح يذكر، بمبادرة خاصة بهم أطلقوها من بلدة سوتشي الروسية. ويفترض أن يعكس مسار سوتشي «التفاهم المشترك» حول مستقبل سورية بين أطرافه الثلاثة روسيا وإيران وتركيا.

ولكن تفرد «الحرس الثوري» باستراتيجية تقع خارج هذا «التفاهم» أزعج الروس الذين يطلبون توضيحاً عاجلاً من طهران. فالرئيس روحاني ممثلاً للحكومة المدنية، قد يكون اتفق في قمة سوتشي مع الرئيسين أردوغان وبوتين على خطة عمل لإنهاء النزاع في سورية، لكنْ يبدو أن «الحرس الثوري» يفكر بأمر آخر. فهذا الأخير لا يهمه غير تعزيز وجوده في البلد المنكوب بمساعدة ميليشيات المنطقة وفي مقدمها «حزب الله». فبعد نجاحه في تأسيس «قوات الدفاع الوطني» يعكف «الحرس الثوري» على إعادة هيكلة منظومة الحكم العسكرية- السياسية في سورية على شاكلته كي يُبقي قبضته مُحكمة على النظام هناك.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة