|   

النسخة: الورقية - دولي

يجرّ العام الذاهب إلى نهايته أذيال خيبات كبيرة. بعض هذه الخيبات يعود إلى المآل البائس عموماً، في حال ما استثنينا نسبياً الحالة التونسية، لما سُمّي ربيعاً عربياً. هناك أيضاً مرارة أن تكون شاهداً على انتشار الخراب وتصدّع مجتمعات تنخرها العصبيات الضيقة وتتخبط في الانتقال إلى روابط وطنية أكثر تماسكاً وأقلّ هشاشة.

الخيبة الأكبر المصحوبة بمرارة مضاعفة هي في أن نكون شهوداً عاجزين على عملية وأد، حقيقية لا مجازية، تحصل أمام أعيننا: إنه وأد المسألة الفلسطينية برمتها وليس فقط الاستيلاء العاري على القدس التي بات الآتي يتملكها «تملّك سالب» ويفارقها الماضي «فراق سليب» على قول شاعرنا المتنبي. ومن مفارقات زمننا المجلبب بحقوق الإنسان وأخلاقيات العدالة وتقرير المصير أن يكون الفلسطينيون وحدهم أمام لحظة الاستحقاق التي تدفع بجسمهم الوطني الحي، أياً كانت درجة إنهاكه وتدجينه وانقسامه، إلى هاوية قدر يرسمه الأقوياء بصلف إمبريالي وعنجهية كولونيالية غير مسبوقين.

فهاتان الصفتان، أي الإمبريالية والكولونيالية، ليستا وراءنا كما يحسب كثيرون بل أصبحتا منذ عقود ووفق ترسيمات متلونة ومتعرجة وجهة سياسات معلنة وبلا أقنعة.

لم يعد سحر الإمبريالية خفياً. لم يعد يحتاج إلى مسوغات أيديولوجية، تربوية- جمالية وتاريخانية واعدة بالتقدم والتطور، من طراز تلك الشائعة في أدبيات القرن التاسع عشر. بات ممكناً تطبيع التجربة الكولونيالية وإرثها التاريخي. التصويت الذي حصل في الأمم المتحدة ضد قرار ترامب المتعلق بالقدس هو إشهار، ملتبس بعض الشيء، للوجهة الفاضحة التي نتحدث عنها. نص القرار الدولي لا يسمي الفاعل الأميركي بالاسم الصريح بل يضمره مكتفياً برفض أي مسعى أحادي الجانب لتغيير الوضع القانوني الحالي للقدس. ليست التهديدات الأميركية الصادرة قبيل التصويت عن ترامب ومندوبة إدارته في الأمم المتحدة ومجلس الأمن هي وحـــدها ما يؤشر إلى صفاقة السيطرة الإمبـــريالية. ينبغي أن نضيف التهديد الأميركي بمعاقبة الأمم المتحدة وهيئاتها بسبب مخالفتها وعدم إذعانها لما يقرره الرئيس المتبجح بالانعزالية تحت شعار «أميركا أولاً» كي تكون تدخلاته في العالم أكثر فظاظة وعراء وأكثر استعراضاً للغة القوة. في هذا الإطار يمكن بالطبع اعتبار الدول التسع التي صوتت ضد القرار الدولي، غير الملزم أصلاً، محميات تابعة للمركز الامبراطوري. العقدة كلها تكمن في قراءة مواقف الدول الخمس والثلاثين التي امتنعت عن التصويت ووضعية الدول المئة والثماني والعشرين التي صوتت مع القرار الذي يدين ضمنياً قرار ترامب.

المعطيات المتوافرة لدى المتابعين تجيز الاعتقاد بأن نسبة معينة من الدول التي امتنعت عن التصويت قد تلتحق بمبادرة غواتيمالا إلى نقل سفارتها قبل أميركا إلى القدس. هناك قسم معتبر من الدول النافذة والوازنة والتي صوتت ضد قرار ترامب لن تفعل شيئاً للحيلولة دون تنفيذه. الأرجح أن تفعل الكثير كي لا تتحول القضية الفلسطينية إلى قضية عالمية تخاطب القيم والمبادئ العليا للحداثة وأنوارها. ههنا بيت القصيد. ومنه تتوالد الأسئلة المقلقة. أهمية المسألة الفلسطينية لا تتعلق بعدد الضحايا وحجم الخراب والمظلومية، فهناك على هذا الصعيد ما يفوقها. هذه الأهمية تعود إلى وقوعها في قلب تناقضات الحداثة السياسية حيث عملت قوى السيطرة الاستعمارية على تحويل القيم والمبادئ التي تحتمل العالمية إلى أدوات ووصفات معلّبة مرفقة بمدة الصلاحية. هذا الوجه الاستعمالي للحداثة عرفناه في القرن التاسع عشر مع ازدهار الاستخدام الأيديولوجي لفكرة «الحضارة»، وها هو اليوم يستأنف بطريقة مبتذلة وظيفته تحت شعار الديموقراطية وحقوق الإنسان. العالم الذي كان ينظر إليه كمسرح صراع بين متمدنين ومتوحشين بات أمامنا اليوم. على هذه الأرضية تكونت الدولة الإسرائيلية وعقيدتها الصهيونية. وهي حتى الآن تخاطب المخيلة الكولونيالية وتعقد على تسويغها في العواصم الغربية ومراكز القرار رهانات توسعها الاستيطاني واستخفافها بالتالي بمنظومة الحقوق والقيم العالمية.

ينبغي أن نضع المسألة الفلسطينية في هذا السياق من التباسات الحداثة السياسية ونكوص العلاقات الدولية بل حتى بين مكونات المجتمع الديموقراطي الواحد إلى زمن السيطرة الإمبريالية والانتشاء بالتفوق والأرجحية المزعومين وتعاظم الأنويات المركزية. ومن يتطلع إلى الحداثة والديموقراطية كمسار قيمي متحرك عليه أن يضع دلالة الأمور ومعناها على هذا المستوى بالذات. كمثال على ما نقول يستطيع الرئيس الفرنسي أن يصرح في الجزائر بأن الكولونيالية جريمة ضد الإنسانية لكنه سيرفض اعتبار الحالة الإسرائيلية حالة كولونيالية إن لم تكن الوحيدة الباقية. ويبدو أن الحكومة الإسرائيلية متأكدة من ثبات هذا الالتباس ومن أهمية التوظيف فيه. فهو يجيز مسارعة الحكومة إلى الإعلان عن خطتها لبناء مليون وحدة استيطانية على مدى عشرين عاماً ثلثها تقريباً في القدس ومحيطها.

لكي تكتمل الصورة ولكي يتألق العجز العربي وغيره ينبغي أن نتأمل في حال البؤس الذي يلف المنطقة ويعدها بالمزيد. هذا الخراب المغري بكراهية الذات وتبخيسها لم تصنعه فقط فئويات ضيقة مذهبية واتنية وتسلطية. فهو يشتغل على أرضية علاقة معينة مع الخارج. ولا علاقة للأمر بنظرية المؤامرة العتيدة. بل بمنظارين لحراك المجتمعات وللعلاقة بين القانون والقوة. صورة التوحش المنسوبة ديبلوماسياً للتطرف الإسلامي العنيف، وللإسلام عموماً لدى قطاعات واسعة في العالم لا تنم عن ملاحظة ومعاينة بقدر ما تنم عن حاجة إلى جعل علاقة السيطرة علاقة عيادية بين أطباء ومرضى، بين أصحاء مهما فعلوا ومجانين مهما فعلوا أيضاً. هناك قولان يختزلان المسألة. الأول للشاعر الألماني غوته الذي رأى انه لم يعد من الممكن أن نفصل بين الشرق والغرب. الثاني هو للبريطاني كيبلنغ الذي رأى وإن بطريقة حمالة أوجه أن «الشرق هو الشرق والغرب هو الغرب». أوباما أقرب إلى غوته وترامب تجاوز كيبلنغ بأشواط.

لم تعد المسألة الفلسطينية موضوع استقطاب سياسي وأخلاقي لا لأنها توقفت عن أن تكون ذريعة لصعود أنظمة تسلطية عسكرية واستبدادية كما يظن العض. بل لأننا دخلنا في حقبة معولمة بتقنياتها المتقدمة من النكوص القيمي. ومن عوارض هذا النكوص ازدهار الدعوة في طول العالم العربي وعرضه إلى تجاهل القضية الفلسطينية. التجاهل لا يجعل المسألة غير موجودة. المعنى الوحيد للتجاهل هو دعوته البلهاء إلى تعقيم النظر.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة