|   

النسخة: الورقية - دولي

هم ثلاثة بين أكثر من 300 رجل في مركز الهجرة الدولية في أغاديس (النيجر). ويتحدر عيسى ومامادو وعبدو من كوناكري الغينية وحاولوا العبور إلى أوروبا من طريق مالي ثم الجزائر أو ليبيا، قبل أن يقرروا العودة أدراجهم لـ «تفادي الموت»، على قولهم. ووصلوا الى أغاديس قبل أيام، وأجسادهم وأرواحهم مثخنة بالجراح. ولم تجمع بينهم معرفة في كوناكري. ولكن ما يجمع بينهم هو سلك درب واحدة. وهم في العشرين من العمر، وهم شغوفون بكرة القدم وقصتهم مشتركة: قصة سلك طريق المتوسط على أمل بلوغ أوروبا، والعودة على اعقابهم. فهل يشعرون بالراحة اليوم إثر قرار العودة؟ هل يخشون العودة إلى عائلاتهم محملين بثقل الفشل؟ هذه حال اثنين منهما. ولكنهما لن يسرّا إليّ بما هو بادٍ عليهما. فالخجل والرغبة في نسيان «الكارثة» وتجاوزها، يمليان الصمت، يقول عبدو. وهو لا يعرف ليبيا. لذا، اختار الطريق الجزائرية. من كوناكري، ركب الباص إلى باماكو في مالي، مثل كثر غيره. ومن باماكوا وصل إلى أواغادوغو، ومنها إلى نيامي، العاصمة النيجرية، ثم حط الرحال في أغاديس في أيار(مايو) 2017. ودفع ثمن رحلته على متن باص «ريمبو» عشرات آلاف فرنك فرنسي. وعلى أبواب الصحراء، والعين على الجزائر، انتظر 8 أيام في حارة مهاجرين ونزل في منزل بسيط يجتمع فيه راغبون في الهجرة في انتظار وصول «المُعبِّر» (إلى الضفة الأوروبية من المتوسط).

ومامادو لم ينزل في الغيتو نفسه. فثمة مئات من هذه البيوت - الحارات في أغاديس، وكان عددها أكبر قبل عام. ولكن أوجه الشبه بين رحلة مامادو ورحلة عبدو كثيرة من مسقط الرأس إلى أغاديس. وعلى خلاف عبدو، قصد ليبيا، والرحلة إليها أغلى ثمناً، وبدا له أن حظوظه في بلوغ إيطاليا من مرافئها المطلة على المتوسط، أكبر. وبدأ الرحلة مع 24 شخصاً مقابل 180 ألف فرنك فرنسي. وعلت الابتسامة وجهه: فالمُعَبِّر منحه سعراً أدنى بـعشرين ألف فرنك من السعر المتداول. وأمضى خمسة أيام في الصحراء. ولكنه كتوم ولا يرغب في الكلام. وسألته إذا بلغته أخبار هجر المُعبِّرين مهاجرين في الصحراء. أجاب بالإيجاب. لذا، قرر ألا يمضي قدماً في طريقه.

وبعد صمت، بدأ بالكلام عن وصوله إلى طرابلس، ودفعه 500 يورو مقابل رحلة بحرية إلى إيطاليا. وكل يوم، أمل في عبور البحر وانتظر. ولكن المُعبِّر اختفى وتبدد أثره. وغلبه القلق يوماً بعد يوم. ولكن هل الدرب الجزائرية للهجرة أيسر؟ جواب عيسى بالنفي. فهو انطلق من كوناكري إلى باماكو. وعلى خلاف مامادو وعبدو، واصل طريقه إلى غاو (شمال مالي). ونقله المُعبِّر إلى تامنراست (عاصمة الهقار) في الجزائر. ومنها أراد التوجه مباشرة إلى العاصمة الجزائرية، ولكن سائق الباص شاء خلاف هذه الوجهة، على رغم أنه تقاضى مئات الآلاف من الفرنك الفرنسي. وفي جنوب الجزائر، وسعه الاتصال بعائلته. فأرسلت له مبلغاً جديداً. ووجد مُعبِّراً آخر وأبرم صفقة جديدة: بلوغ شمال الجزائر مقابل 35 ألف دينار (256 يورو). وأخيراً، وصل إلى الجزائر العاصمة، ومكث فيها 10 أشهر، وعينه على المغرب، والعزم على بلوغ سبتة، الجيب الإسباني.

وسعى الثلاثة إلى عبور الحدود إلى المغرب. وعبدو أمضى ثمانية أيام في الانتظار بأغاديس، ومنها انتقل إلى تامنراست. وأكثر من مرة، أُخذ رهينة وأفرج عنه مقابل مبالغ طلبها من عائلته. وفي شمال الجزائر عمل، وطلب مساعدة عائلته. وحاول العبور إلى المغرب ثلاث مرات، ولكن الشرطة الجزائرية على الحدود كانت له في المرصاد. فقرر أنه لن يعيد الكرة بعد ثلاث محاولات، وأنه سيعود إلى كوناكري. وحظوظ عيسى ومامادو ليست أفضل. فالثاني انتظر في طرابلس مركباً لم يأتِ على رغم دفعه 500 يورو لمعبِّر. وهذا سرق المال واختفى. وقصد الجزائر ليعبر إلى المغرب، ولكن الحدود كانت موصدة أمامه. وفقد الأمل، ونضبت أمواله، فقرر العودة إلى غينيا. ولم ينسَ عيسى «إخفاقه» في الجزائر. وأمضى 5 أيام برفقة الشرطة المغربية. وتعرض لضرب مبرح، وتبددت أمواله. وإلى اليوم، الألم يلقاه كل صباح. ويأمل بأن يتعالج في كوناكري. ولكن هل سيبقى الرفاق الثلاثة، على صداقتهم في كوناكري؟ هم ينتظرون معاً في أغاديس حيث قادتهم السبل إلى مركز منظمة دولية للمهاجرين، ويزجون الوقت بلعب كرة القدم و «البولينغ» في انتظار باص ينقلهم إلى كوناكري. فهم اختاروا «عدم الموت»، يقول عبدو. والمنظمة الدولية للمهاجرين ستتكبد تكاليف سفر إيابهم من أغاديس إلى كوناكري.

 

 

* مراسل، عن «جون أفريك» الأفريقية، 16/12/2017، إعداد منال نحاس

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة