|   

النسخة: الورقية - دولي

أمام روسيا فرصة لتجاوز أزمة علاقتها مع الدول الغربية، ولكن هذا لن يحصل إلا إذا مضت التسوية في الدونباس قدماً. وانتهت 2017 إلى تدهور مستمر في العلاقات بين روسيا والغرب، وتعثر في التعاون لمواجهة التهديدات المشتركة، وفقدان الثقة بينهما، وغياب حوار جاد حول سبل الخروج من الأزمة، واحتمال تشديد طوق العقوبات على روسيا في 2018 وتعاظم ثمن المواجهة مع الغرب، والقيود المفروضة على نقل التكنولوجيات، وكلفة المواجهة العالية في ميزان روسيا. وفقدت موسكو مبادرتها الإستراتيجية في العلاقة مع الغرب. ولم تُطرح مبادرات جديدة لحلّ «مشكلة 2014» [الأزمة الأوكرانية]، في وقت برزت أزمات جديدة. والتباين جلي بين سبل بلوغ الأهداف الطويلة المدى وبين النعرات الناجمة عن البروباغندا الروسية في الانتخابات الرئاسية في فرنسا 2017 (وقبل ذلك خلال أزمة الهجرة في ألمانيا في 2015). وساهم أثر البروباغندا هذه في تقويض العلاقات الأوروبية، بخاصة مع باريس وبرلين، وعليه، ضعفت قدرة روسيا على التأثير في سياسة الاتحاد الأوروبي. ولا تفيد محاولات التظاهر بأن شيئاً لم يحدث وبإمكان العودة الى أشكال تعاون سادت في 2013 (وهو ما اقترحته ورقة غير رسمية روسية على إدارة ترامب في آذار - مارس 2017). ومواصلة موسكو سرد حكاية «المظالم التاريخية» التي ألحقها الغرب بها بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، مملة. وإثر لجوء موسكو إلى القوة العسكرية والتدخلات المتكررة، ترى واشنطن والاتحاد الأوروبي أنها مصدر تهديد للأمن والاستقرار الداخلي. فـ «اليأس الروسي» حوّل روسيا إلى «قوة رجعية» مرهوبة الجانب. لكن النهج هذا لا يسمح ببلوغ مصالح طويلة الأجل.

وإلى اليوم، لا يعد عام 2018 بتغير نحو الأفضل. فالضغط الديبلوماسي والعقوبات على روسيا سيتعاظمان. ولكن كما أشير في تقرير المجلس الروسي للشؤون الخارجية، تفتح الانتخابات الرئاسية المرتقبة، المجال أمام دورة جديدة في السياسة الخارجية الروسية يمكن معها توقع مقاربة جديدة، ومراجعة نقدية للتجارب المتراكمة. فالانتخابات تحمل فرصة جديدة: احتمال حدوث تغيير في كادر فريق السياسة الخارجية في الكرملين. والحق يقال غياب الثقة مع الغرب هو فعلاً مسألة شخصية. وقبل انتهاء الانتخابات الرئاسية فى روسيا، يسري في أميركا «قانون مكافحة الأعداء بواسطة العقوبات». وهو يجيز فرض عقوبات على قطاعات جديدة من الاقتصاد الروسي والديون السيادية الروسية وعرقلة مشروعات الطاقة الجديدة وخطوط أنابيب تصدير الغاز، وفرض عقوبات على «الصفقات المهمة» مع شركات الصناعات العسكرية الروسية. ولكن التنفيذ العملي لهذه التدابير التقييدية الجديدة متروك لتقدير إدارة ترامب، التي قد تلتزم ضبط النفس.

وقد تتسبب بعض التدابير الأميركية من قبيل «النطاق التشريعي خارج الحدود» بنزاع بين أميركا والاتحاد الأوروبي، ما يوسع هامش المناورة الروسية. لكن مدار الأزمة الرئيسة في 2018 على مشروع خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 2». وهذا قد يطيحه تشدد إدارة ترامب، على رغم إعفائه رسمياً من العقوبات الأميركية الجديدة. ويختبر مصير هذا المشروع الاتحاد الأوروبي وألمانيا، ويظهر مدى استقلالية قرارهما عن الضغوط الأميركية. وحريّ ألا تعزز خطوات روسيا المرتجلة والمفاجئة حججَ خصوم المشروع. وتمس الحاجة إلى تقييم الآثار المترتبة على القسم 241 من قانون العقوبات الأميركية الجديدة التي تطالب إدارة ترامب بإعداد ما يسمى «قائمة الكرملين». وهي تضم أقرب المحيطين بفلاديمير بوتين من السياسيين وكبار رجال الأعمال. فهذه الخطوة تنقل سياسة العقوبات والقيود الاقتصادية القطاعية إلى عقوبات شخصية على شطر من النخبة الروسية وأفراد أسرهم. وعلى ما يبدو، «قائمة الكرملين» صغيرة، وتقتصر على 40 إلى 50 شخصاً. ولا تعني القائمة بحد ذاتها فرض عقوبات فورية على المنضوين فيها، ولكنها تتيح ذلك في المستقبل. وليست التوقعات الأميركية بزعزعة الاستقرار في روسيا من طريق هذه القائمة، في محلها.

وسبق أن شددت العقوبات على روسيا، إثر اتهامات أميركية وجهت إليها بانتهاك معاهدة الصواريخ المتوسطة والقصيرة المدى. وهذه المسألة تتصدر الصراع في 2018، ويبدو أن الطرفين يستعدان للانسحاب من المعاهدة، وتبادل الملامة. ولكن في المقدور بلوغ حل بنّاء للمشكلة، استناداً إلى بنود المعاهدة، إذا نوقشت ملاحظات الطرفين.

والسبيل إلى تطبيع العلاقات مع الغرب هو حل الصراع في الدونباس وتبديد الاتهامات المتبادلة في شأن التدخل في الشؤون الداخلية في مجالي المعلوماتية والفضاء الإلكتروني. وتتيح مبادرة فلاديمير بوتين إلى اقتراح نشر قوات حفظ سلام أممية لحماية بعثة مراقبي «منظمة الأمن والتعاون في أوروبا» في الدونباس، فرصاً لتذليل العقبة الرئيسية. فهي تسمح بمناقشة عدد من الحلول: الانتقال من صراع طويل مجمد على مثال ترانسنيستريا [المقاطعة الانفصالية في مولدافيا]، إلى الخروج الروسي اللائق من «أزمة الدونباس» والتخلص من العقوبات الاقتصادية الأوروبية والأميركية الأصعب. وفي البدء، عارضت موسكو توسيع ولاية بعثة حفظ السلام، ولكن في أثناء مؤتمره الصحافي، أعلن بوتين في شكل غير متوقع أن بلاده لا تعارض «وضع الإقليم تحت رقابة دولية». وقد يكون الإعلان هذا علامة على تغير بارز في الموقف الروسي يشرّع الأبواب أمام تسوية في الدونباس، وهذا ما سيتوضح في 2018. وسيبقى موضوع التداخل في المعلومات والفضاء السيبراني على حاله، فهو مثل «مادة سامة». ويبدو أن التسوية في هذا المجال صعبة وعسيرة. فجمع المعلومات الاستخباراتية بواسطة وسائل الإنترنت، ومنها قرصنة البريد الإلكتروني الشخصي لكبار السياسيين، هو نشاط مشروع. وفي وسع الطرفين الحديث فحسب عن تفاهم يقضي بأن مثل هذه المعلومات لن تتداول في العلن. أما عدم استخدام الأسلحة السيبرانية ضد مرافق البنية التحتية فهو وثيق الصلة بالدفاع السيبراني الذاتي، وليس باتفاقات بين دول. والمعلومات في شبكات التواصل الاجتماعية هي موضوع تنظيمي يعود إلى الشركات الخاصة. ويتعذر تحديد مفهوم موحد للتدخل المشروع وغير المشروع في الشؤون الداخلية، على الوجه المقترح في «مذكرة ريابكوف» [نائب وزير الخارحية الروسي سيرغي ريابكوف] في تموز (يوليو) المنصرم. فأميركا لا ترى، على سبيل المثال، أن عملية نشر الديموقراطية هي تدخل.

 

 

* خبير في العلاقات الدولية، عن موقع «أر به كا» الروسي، 26/12/2017، إعداد علي شرف الدين

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة