|   

النسخة: الورقية - دولي

عندما يخرج مئات آلاف الناس في مئات البلدات والمدن الإيرانية وعلى مدار أيّام مُطالبين بوضع حدّ للقهر وللفساد وبتحسين أوضاعهم الاقتصادية وتغيير النظام الشمولي على ما فيه من إكراه ديني عقيدي، يعني أن الملك في مملكة ولاية الفقيه صار عارياً تماماً ولم يعُد بالإمكان ستر هذه العورة. عندما يخرج الفقراء والمعدمون وجموع «الخاسرين» إلى الشوارع، ينبغي للحرس الثوري أن يتحسّس قبعاته وماكناته. فمن الملاحظ أن نواة الاحتجاجات هذه المرة هي في المدن النائية وانتشارها واسع وقادتها هم المبادرون في كل ناحية ومحافظة بأسماء أو من دونها.

لا حاجة بنا كي تتضح الأمور أو نعرف هوية الناشطين والمتظاهرين لنوقّع على شعاراتهم بالعشرة. ولسنا في حاجة إلى تأنٍّ وتروٍّ كي نُحدّد موقفنا المؤيّد حقوق الشعوب والفقراء فيها بحياة أفضل كانت السلطة مَن تكون، نظام الملالي أو النظام في أوكرانيا أو الكونغو أو سورية. قد نختلف حول تسمية الحدث وقد نحذر في انتقاء التوصيف، لكنني من الذين لا يترددون كثيراً في تأييد كلّ تحرّك شعبي ضد القهر مهما بلغ. وإلا، كيفَ يُمكن تأييد شرارة الاحتجاجات في تونس التي انطلقت من سيدي بوزيد وخذلان تلك المنطلقة من مدينة مشهد الإيرانية المنكوبة اقتصادياً بسبب سياسات الحكومة المركزية في طهران داخلياً وخارجياً؟ لكن يبدو أن بعض العرب والفلسطينيين يشترطون تأييد «ثورة» أو احتجاج أو حراك شعبي بوجود ضمانات لانتصاره! وقد قرأنا بعضاً من العرب والفلسطينيين يُطالب المحتجين في مدن إيران بشهادة حسن سلوك وببراءة ذمّة من ترامب ونتانياهو والسعودية! وفي هذا الموقف استعلاء ظاهر ووصاية تفترض أن الشعب الإيراني لا يتحرّك لولا وجود قوى خارجية تدفعه لذلك؟ وفي هذه الفرضية المتجنّية تبرئة لساحة نظام الملالي المتجبّر والشمولي من فشله في إدارة الاقتصاد والاجتماع والموارد والسياسة. وقد رأينا هذه الظاهرة المقيتة في الحالة السورية حينما وقف مَن اعتبرناهم «مثقفين» و «مبدعات» مع نظام المجزرة ضد ضحاياه.

إذا كانت احتجاجات 2009 في إيران إصلاحية الطابع - وإن رفعت بعض شعارات مشابهة للتي نراها في احتجاجات هذه الأيام- فإن احتجاجات الراهن تحمل طابعاً تحويلياً ثورياً وتُعيد النظر في العقد الاجتماعي بين سلطة ولاية الفقيه وبين الشعوب الإيرانية التي عاد وضعها أسوأ مما كان قبل انتصار ثورة الخميني في 1979. فشعارات المتظاهرين اليوم تكشف عُمق فشل الدولة الإيرانية التي تبدو في هيئتها وصورتها كالدولة السوفياتية- احتفالات ومهرجانات سنوية تستعرض الجبروت العسكري والمُنجزات التكنولوجية الحربية وتتوعّد الأعداء بالإبادة والدمار- بينما المواطنون يعدمون القُدرة على اقتناء السلع الأساسية إذا توافرت أصلاً وفرص العمل ومصادر الرزق في انحسار (البطالة نحو 30 في المئة) من سنة إلى سنة مع اتساع في معدّلات الفقر (حوالى 50 في المئة تحت خط الفقر) وما يستتبع ذلك من أزمات اجتماعية. إن تراكم الاحتجاجات الراهنة على هذه الخلفية الاقتصادية الاجتماعية يشكّل حالة جديدة في إيران تلتقي فيها الفئات الوسطى مع الفئات الفقيرة المسحوقة في مطلب التغيير على مستويين- التغيير الإداري السياسي (علاقة السلطة بالنظام والحريّات) والتغيير الاقتصادي (مسألة توزيع الموارد العامة والثروات). وهو لقاء مُثير لجهة الضغط على المؤسسة الحاكمة.

لا شكّ في أن انتخاب حسن روحاني «المُعتدل» للرئاسة للدورة الثانية امتصّ غضب قطاعات من الإصلاحيين والفئات الوسطى، لكن احتجاجات الأيام الأخيرة تكشف أنه اعتدال غير كافٍ في كل ما يتصل بأحوال الفقراء الذين لم تتحسّن أحوالهم، بل ساءت أكثر على رغم الوعد الكامن في الاتفاق حول المشروع النووي الإيراني مع الأسرة الدولية. وهذان بالذات، سقوط الوعد والخيبة لدى فقراء الشعوب الإيرانية دفعاها إلى أمام لإعلاء صوتها ضد القهر وضد الفساد وضد العقد الاجتماعي كلّه في ظلّ سلطة الملالي الحاكمة في إيران منذ قرابة أربعة عقود. وهي دورة كاملة لجيلين من الإيرانيين الذين لم يعرفوا نظام الشاه وما سبق نظام ولاية الفقيه. وُلدوا إلى واقع الدولة الخمينية ونظامها واكتشفوا كل على طريقته فشلها متجسّداً في فقرهم وعوزهم وبطالتهم وانعدام الأفق. بمعنى ما، فإن هذه الدولة استنفدت كل الاعتماد الممنوح لها من جيلين وإن عقيدتها وخياراتها والتعديلات التي أُدخلت على النظام فيها كلها لم تُطلع الفرج. ومن هنا يُمكننا أن نفهم نفاد صبر الإيرانيين بفئاتهم لا سيما المسحوقة. لقاء لجيليْن ولقاء لفئتين خائبتين من التجربة الخمينية ومآلاتها.

تجدر الإشارة هنا إلى حقيقة أن القوى السياسية الإيرانية التي اجتمعت لإسقاط الشاه حينذاك راهنت، في ما راهنت عليه، على سوء الأوضاع الاقتصادية بالنسبة لقطاعات واسعة من الشعوب الإيرانية وقتذاك. وها هو سوء الأوضاع نفسه يشكّل الأرض الخصبة للاحتجاجات الراهنة التي تختلف عن تلك في 2009 وتكمّلها. من شأن تحالف الطبقتين الوسطى والفقيرة أن يغيّر شيئاً ما في موازين القوى الداخلية في المجتمعات الإيرانية في المرحلة المُقبلة لكم، ليس قبل أن يجرّب الحرس الثوري والميليشيات العسكرية والنُخب الأمنية حظها في قمع هذه المطالب وهذه الاحتجاجات. فهذه النُخب تحديداً-الأمنية على أذرعها- هي أهم الفئات المستفيدة من نظام الملالي جزءاً من ظاهرة كونية تكون فيها النُخب الأمنية عماد النُظم الشمولية وقوامها- هكذا كان في النُظم السوفياتية وفي النُظم الفاشية والعسكرية. وهكذا في إسرائيل التي تتحكّم بالفلسطينيين وحقوقهم ومصائرهم. لكن من المفارقات أن نجد فلسطينيين متبجحين ينتصرون لنظام الملالي بينما هم تحت الحُكم واحتلاله!

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة