|   

النسخة: الورقية - دولي

بعد أقل من أسبوعين على إعلان الرئيس فلاديمير بوتين اختتام التدخل الروسي الناجح في الحرب الأهلية السورية، وانسحاب قوات بلاده من البلاد، شن مقاتلون إسلاميون هجوماً شرساً على القوات الروسية في سورية. فالحرب الأهلية السورية لم تنتهِ، ولن تنتهي في وقت قريب. وألحق الهجوم ضرراً كبيراً بصورة روسيا المنتصرة، وشوهها. ولكن السؤال الأبرز هو: هل ستغرق روسيا في مستنقعها الشرق أوسطي؟ وماذا يترتب على غرقها في موازين القوى المختلفة التي تتنافس على السلطة في سورية؟

وفى 3 كانون الثاني (نوفمبر)، نقلت صحيفة «كومرسانت» الروسية خبر شن مسلحين إسلاميين هجوماً بقذائف الهاون على قاعدة حميميم الجوية في 31 كانون الأول (ديسمبر)، ما أدى إلى تضرر أربع قاذفات من طراز «سو 24»، ومقاتلتين من طراز «سو-35 أس» وطائرة نقل عسكرية. ونفت وزارة الدفاع الروسية تفاصيل تقرير «كومرسانت»، ولكنها لم تنفِ خبر الهجوم نفسه، وقالت إن القاعدة تعرضت لقصف تقف وراءه «جماعة تخريبية متنقلة» وإنّ جنديين روسيين قتلا فى الهجوم.

واليوم من العسير معرفة حجم الضرر الحقيقي في حميميم. و «كومرسانت» مصدر موثوق للمعلومات، ويستبعد أن تفبرك القصة. ونحن لا نعرف عدد الطائرات الروسية في حميميم، ولكن في ذروة التدخل في 2016، رابط في القاعدة هذه نحو 70 طائرة و4000 موظف. وقال وزير الدفاع الروسي أخيراً إن 36 طائرة عادت إلى روسيا. وإذا كانت تقارير كومرسانت صحيحة وفي محلها، يبدو أن ما لا يقل عن 20 في المئة من القطع الجوية الروسية الموجودة في حميميم - ونصف مقاتلاتها من طراز «سو-35 إس»- أصيبت بأضرار. ولا شك في أن تحديد حجم الضرر المادي مهم لتحديد مدى تقويضه صورة روسيا، ولكن هذه المسألة تتضح مع مرور الوقت. والحق يقال ان الهجوم هذا أخذ القوات الروسية على حين غرة. وأعلنت وزارة الدفاع الروسية أنّ روسيا ستوسع المنطقة الأمنية حول قاعدة حميميم وإن القوات الروسية ستمسك بمقاليد أمن القاعدة هذه، عوض القوات السورية كما كانت عليه الحال الى حين الهجوم. وإذا وقعت حوادث مماثلة، ولو كانت قليلة العدد، تعذر على موسكو زعم أن تدخلها في سورية بلغ هدفه.

ولم تسلط الأضواء على عدد العمليات العسكرية الروسية في الأيام القليلة الماضية. ففي صباح 3 كانون الثاني (يناير) الجاري، أعلنت وزارة الدفاع الروسية أن مروحية من طراز «مي– 24» تحطمت على مقربة من مطار حماه العسكري، ومصرع الطيارين على متنها. ونقلت «رويترز» في اليوم نفسه، خبر دعم القوات الجوية الروسية هجوم الجيش السوري على مجموعة متمردة شرق دمشق. وعلى رغم أن بوتين لم يحدد موعد انسحاب القوات الروسية من سورية حين أعلن الانتصار، لا تشير الحوادث الأخيرة إلى سحب روسيا الجزء الأكبر من قواتها فى وقت قريب. واليوم، حري بروسيا ان تنجز ما سبق أن أعلنت بلوغه وإنجازه.

السؤال اليوم هو: على أي وجه يرتسم مستقبل سورية؟ وسعت روسيا إلى صوغ حل ديبلوماسي يرسخ موازين القوى الراهنة. واليوم، لا يسع أي طرف يتنافس على النفوذ في سورية أن ينتصر. ولكن فيما خلا الأكراد السوريين، لا يبالي أحد في سورية بالحفاظ على الموازين هذه. فالوضع الراهن لا يتناسب مع مصالح إيران التي تريد أن يحكم نظام بشار الأسد سيطرة مطلقة على البلاد، واستئناف دمشق دورها منصةً إيرانية في المنطقة وسند الحلم الإيراني ببلوغ البحر الأبيض المتوسط وبسط طهران نفوذها هناك. وموازين القوى اليوم تخالف مصالح تركيا، وهي أعلنت هذا الأسبوع دعم إنشاء «الجيش الوطني السوري»، وهو قوة من 22 ألف جندي يفترض أن تقاتل الأسد وداعش و «حزب العمال الكردستاني» الكردي المسلح، ولكن يبدو ان الأكراد السوريين في عفرين يتصدرون لائحة الأهداف. أما نظام الأسد فيرغب في أن يستعيد السيطرة على بلده من دون الصدوع بأي قوة أو الاضطرار إلى تملقها. وهذا يقتضي بقاء روسيا ومرابطتها إلى أجل غير مسمى للمساعدة في هذه المساعي.

واندلعت في سورية في 2011 حرب أهلية. وعُلقت هذه الحرب حين انبثق تنظيم داعش من الفوضى واستولى على أراض في سورية والعراق. ومع انتهاء داعش، استؤنفت فصول الحرب الأهلية. لكن الدول المعنية بالأزمة لا تريد للعالم أن يسمع هذه السردية. وتريد موسكو ونظام الأسد إقناعه (العالم) بأن النصر تحقق وما عليهما اليوم إلا القضاء على عدد قليل من جيوب المتمردين الجهاديين. ولكن طهران تريد إقناع العالم بأن الخطر كبير وبلغ مبلغاً يسوغ رفع مستوى مرابطتها وزيادته في سورية. ولا تزال أنقرة تأمل بتحجيم الأكراد السوريين وتهميش دورهم بطريقة ما واستبدال الأسد بحكومة يرأسها السنّة تراعي مصالح تركيا. وتلجأ هذه الدول كلها إلى وكلائها لبلوغ أهدافها، وتسعى إلى توجيه دفة الأمور لإحراز نجاح ما.

ومع ذلك، فالنجاح في هذا الجزء من العالم قصير الأجل وسريع التبدد. فلو أن تنظيم داعش هُزم فعلاً، ولم يتبق غير عدد قليل من المتمردين، لما قُصفت أبرز القواعد الروسية في المنطقة. ويبدو أن أعمالاً كثيرة تنتظر روسيا على خلاف إعلانها. ولكن موسكو قدمت تدخلها في سورية على أنه أمارة قوتها في المنطقة وفي العالم. لذا، الهجوم على قاعدة حميميم، سواء أفلح في تدمير طائرات أم لا، هو نذير شؤم على موسكو. فروسيا تدخلت في سورية حين كان اقتصادها في حال مأساوية بسبب هبوط أسعار النفط هبوطاً مفاجئاً، وحين كانت صدقية بوتين ضعيفة، إثر ثورة أوكرانيا في 2014. وتحتاج الحكومة الروسية إلى مغادرة سورية حاملة نصر تهديه إلى الروس. وكلما تراجعت حظوظ هذا الاحتمال وتعذر بلوغ النصر، تعاظمت النتائج «العكسية» الناجمة عن هذا التدخل.

 

 

* محلل سياسي، عن مـــوقع «جيـــوبوليتيكال فــيوتــشرز» الأمـــيركــي، 5/1/2018،

إعداد علي شرف الدين

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة