|   

النسخة: الورقية - دولي

هناك مقولة شاعت منذ عقدين من السنين وسعت إلى تثبيت مركزية وطنية للفضاء الجغرافي الخاص بجماعات بشرية معينة. هذه المقولة التي اشتهرت إعلامياً ودعوياً بعبارة مفادها «بلدي (أو بلدنا) أولاً» اتخذت أشكالاً عدة ومختلفة تستحق الرصد. ومع أنها لم تخلُ من الالتباس فقد ظلت تفترض، تصريحاً أو تلميحاً أو حتى إضماراً، أنها التعبير الواضح عن وصفة خلاصية للكيان الوطني المعرّض للتصدّع بسبب استقباله أو احتضانه قضايا ومسائل تحتاج معالجتها إلى طاقات تفوق طاقته على التحمّل، ناهيك بمشكلة استضافته لمجموعات بشرية خارجة عن نطاقه.

ينبغي التشديد على أن ازدهار هذه المقولة يبقى موسمياً ولا يتّسم بالثبات والدعاوة المتصلة. كما أن انتشار المقولة دورياً وفي ظل ظروف مستجدة وصعبة يظل مركز جذب سياسي وإيديولوجي لفئات وبيئات اجتماعية معينة تتطلع إلى تعزيز مكانتها وموقعها، المادي والرمزي في آن، في عملية التجديد أو إعادة التأسيس الوطني وتثبيت حدود لعمله ينبغي الحرص على عدم تجاوزها.

باختصار، تزعم هذه المقولة القبض على الفكرة الوطنية وفق صيغة متخففة من إرث الإيديولوجيات العريضة القومية والإسلامية التي ازدهرت وتصارعت في طول العالم العربي وعرضه منذ الخمسينات. إذا كانت هذه المقولة شعاراً أو عنواناً برنامجياً لعدد من القادة والدعاة السياسيين، فإنها أيضاً مدار سلوك سلطات سياسية عربية تزعم العمل بمقتضى هذه المقولة من دون طنطنة.

ينبغي الاعتراف بأن المقولة المذكورة مغرية وإن كانت شديدة التبسيط. إنها بالأحرى مغرية لأنها تبسيطية، خصوصاً في ظروف التأزم والخوف من تشظي الكيان الوطني. وهي مغرية أيضاً عندما تخاطب أفراداً، لا يتعرفون إلى أنفسهم عبر الانتماء إلى إطار أو جماعة سابقة على الرابطة الوطنية، أكانت هذه الجماعة قائمة على التضامن القرابي أو على وحدة الاعتقاد المذهبي أو الطائفي. هؤلاء الأفراد ينحدرون عموماً من الفئات الوسطى الحديثة وإن كانت تعبيرات حداثتهم حمالة أوجه، بحيث يطاول الالتباس تصوراتهم عن المصالح الوطنية بل حتى عن أسلوب العيش الذي يعتبرونه الأمثل والأفضل. لكن استخدام هذه المقولة كرافعة لكيانية وطنية مشتركة لا يقتصر على هذا النوع من الأفراد الأحرار إذ يشمل أيضاً فئات منضوية في عصبيات معينة، قرابية وطائفية ومذهبية واتنية، وهي تفترض المطابقة بين موقع هذه العصبيات ومصلحتها وبين الفكرة الوطنية ذاتها.

المقولة التي نتحدث عنها ملتبسة وحمالة أوجه، لأن الفكرة الوطنية نفسها كانت أصلاً وفصلاً كذلك في تاريخنا السياسي الحديث، أي ملتبسة وحمالة أوجه بالنظر إلى ظروف وشروط نشأتها منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وخصوصاً في فترة ما بين الحربين العالميتين وحقبة السيطرة الأوروبية المتعددة الأشكال على بلدان كانت ولايات عثمانية عاشت مديداً في كنف منظومة سلطانية وامبراطورية. وقد سبق لباحثين ومؤرخين متخصصين في تاريخ الفكر السياسي الحديث في العالم العربي أن أشاروا إلى «بساطة» الفكرة القائلة بإن كل جماعة تجتمع على خصائص وتقاليد مشتركة تستطيع أن تشكل «أمة» ويمكنها بالتالي أن تتجسد سياسياً في دولة. ينطبق هذا على الفكرة الوطنية في معناها القطري والحصري كما ينطبق على فكرة العروبة السياسية، بل حتى على الإسلام كرافعة وصفة لتجارب مختلفة في إنشاء كيانات دولتية أو شبه دولتية.

الأفكار والتجارب الحديثة الدائرة على الفكرة الوطنية، أو القومية، تلتقي عند نقطة واحدة: رفض الماضي كشرط تاريخي لتأسيس الوطنية الجديدة. لكنها تفترق افتراقاً حاداً عندما يتعلق الأمر بتعريف الماضي الذي ينبغي الخروج منه، أو التحرر منه إذا شئتم. ففي نسختها الكيانية الضيقة والحصرية دعت الفكرة الوطنية إلى رفض الماضي القريب والبعيد في آن وإعلاء قيمة جذور ومعالم ترقى إلى أزمنة قديمة سابقة على الفتوحات العربية والإسلامية بل حتى على العهد الروماني. حالة العروبة السياسية مختلفة. فهي، بالنظر إلى تشكلها المضطرب والمرتجل، بدعم بريطاني وتوتر العلاقات العربية- العثمانية بعد الإطاحة بالسلطان عبدالحميد الثاني وصعود جمعية «الاتحاد والترقي» التركية ذات الأيديولوجيا الملتبسة، ركّزت رفضها على الماضي العثماني القريب، كشرط لاستعادة مكانة عربية تراجعت منذ استيلاء سلالات غير عربية على السلطة الامبراطورية في العهد العباسي. أما المطابقة بين الفكرة الوطنية والهوية الإسلامية فهي تنطوي على مقدار أكبر من الالتباس بسبب تلونها بألوان التاريخ كله والاستناد إلى تسويات وضروب من التجريب واتخاذها، في التصورات السلفية على أنواعها، بعداً قيامياً وخلاصياً يتطلع إلى حيازة الحاضر دفعة واحدة باعتباره نقطة وصول إلى لحظة التأسيس المجيدة وتكريسها كقيمة مطلقة ووحيدة للحياة.

هذه التمثيلات المختلفة للفكرة الوطنية شهدت في فترة ما بين الحربين وخصوصاً في أعقاب الحرب الثانية وبروز المسألة الفلسطينية تحولات مهمة تبدلت فيها معايير تحديد الحلفاء والأعداء والخصوم والأصدقاء. وترافقت هذه التحولات، في العديد من البلدان، مع صعود فئات اجتماعية عانت من التهميش وضمور فئات ونخب وعائلات توارثت زعامة تقليدية وكانت تستمد شرعيتها من قوة التقليد وبعلاقة معينة مع سلطة الانتداب أو الوصاية الخارجية. مع ذلك ظلت الفكرة الوطنية رجراجة ومرجعيتها مضطربة. وهذا ما ينطبق على مقولات وأفكار أخرى مثل «الشعب» و«الدولة» و«الأمة» و«الجمهورية»...

في كل الأحوال، بقيت الفكرة الوطنية مشدودة إلى تصور معين عن العلاقة بين مكونات المجتمع المحلي وقوة السيطرة الأوروبية المتفاوتة الوزن والتأثير. خصوصية هذه العلاقة بين المحلي والخارجي وطريقة تعهدها سلباً أم إيجاباً وسمتا بميسمهما الفكرة الوطنية، ما أضفى عليها طابعاً تاريخياً خاصاً يتناقله سكان البلد الواحد.

في هذا السياق، تبدو الفكرة الوطنية أشبه بمنصة ترتفع فوق طبقات، بالمعنى الجيولوجي للكلمة، من التاريخ. هناك تاريخيات متراكبة فوق بعضها البعض أو متجاورة ومتدافعة، وكل طبقة منها تشد إلى زمن معين تستقي منه مرجعية الهوية والقيمة. وهناك دائماً فئات اجتماعية تنسب نفسها، وتنسب الفكرة الوطنية نفسها، إلى طبقة من الطبقات التاريخية المركّبة لمجتمعات المنطقة. التوليف بين هذه الطبقات وبين مكونات الفكرة الوطنية هو الاختبار الكبير لتحقق الاستقلال والتحول إلى فاعل سياسي. أما اللجوء إلى الكيان الوطني كأنه منفى قمري فهو حبل هواء.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة