|   

النسخة: الورقية - دولي

على رغم تقارير مؤسسات دولية عن توقع نمو الاقتصاد العالمي، انعقد منتدى دافوس الاقتصادي هذا العام وسط أوضاع وعلاقات معقدة ومواقف من قوى كبرى تكاد تنفي المبادئ التي تأسس من أجلها المنتدى، بخاصة الدفاع عن العولمة ومبادئها من حرية الأسواق والتجارة العالمية والتنقل.

وربما كان هذا ما أدى إلى صوغ شعار المنتدى هذا العام على النحو التالي: «خلق مستقبل مشترك في عالم مجزأ»، والأدق: في عالم متصدع فيه قوى عالمية كبرى ينتقد رئيسها العولمة ويتبنى سياسات تجارية حمائية ويعمل بمفهوم «أميركا أولاً» وينسحب من اتفاقيات دولية.

وهنا نتطرق إلى المناخ الذي ينعقد فيه المنتدى هذا العام، فهو يعكس تصاعد أخطار التغير المناخي وآثاره البيئية المدمرة. ويتعرض الاتفاق الذي توصل إليه المجتمع الدولي، وهو اتفاق باريس للمناخ، لتحدي قوة كالولايات المتحدة التي هي مصدر نسبة كبيرة من الانبعاثات الحرارية.

أما الظرف الدولي الآخر المعاكس، فهو حالة العلاقات بين قوى كبرى، فبعد أن انتهت الحرب الباردة التي دامت لأكثر من أربعة عقود، وما سادها من توترات دولية، بل إمكانات الصدام، تعود اليوم أجواء حرب باردة بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية. واعتبرت استراتيجية الأمن القومي الأميركي التي أعلنتها أخيراً إدارة ترامب أن كلاً من الصين وإيران وكوريا الشمالية وروسيا هي مصادر التهديدات الاستراتيجية للولايات المتحدة لأنها تتبنى نظماً عسكرية خطيرة.

وقبل انعقاد منتدى دافوس بأيام، حذرت منظمات دولية مثل منظمة الإغاثة العالمية، أوكسفام، من أن الاقتصاد العالمي يفيد في شكل متزايد الأغنياء ويبقى بلايين الأشخاص عالقين في دوامة الفقر، وذلك أن 82 في المئة من الزيادة في الثروة العالمية التي تحققت في العام الماضي تدفقت على الأكثر ثراء الذين يمثلون واحداً في المئة من سكان العالم، بينما لم تزد ثروة 3.7 بليون شخص يشكلون 50 في المئة. وهو ما يفسر تظاهرات قوى اجتماعية صاحبت اجتماعات المنتدى احتجاجاً على العولمة وتأثيراتها السلبية فيهم.

ومن المفارقات أن الصين والهند كانتا قبل ثلاثة عقود تتبنيان سياسات الانغلاق والاعتماد على النفس، إلا أن الرئيس الصيني شي جينبينغ ألقى الكلمة الافتتاحية في منتدى دافوس العام الماضي وتركزت على الدفاع عن العولمة الاقتصادية، وأكد ممثل الصين في منتدى هذا العام التزام الصين بمبادئ العولمة الاقتصادية. أما الكلمة الافتتاحية لمنتدى هذا العام فألقاها رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي مدافعاً أيضاً عن العولمة، مؤكداً أن بلاده ستستمر في الانفتاح على اقتصاديات العالم، وأن على الحضور توقع «خطوات غير منتظرة»، من جانب الهند.

وبدا الرئيس الفرنسي ماكرون من أقوى المدافعين عن النظام العالمي الليبرالي، محذراً من «الحمائية»، فيما رأت المستشارة الألمانية مركل أن الحمائية «لا تقدم إجابة عن مشاكل العالم». وتوجه دونالد ترامب إلى دافوس كأول رئيس أميركي يحضر المنتدى بعد مشاركة بيل كلينتون في منتصف التسعينات، وقال خبراء أميركيون إن نقطة ضعف ترامب في دافوس كانت الصين باعتبارها الدولة الوحيدة في العالم التي تملك استراتيجية بعيدة المدى، وما من شيء يستطيع أن يفعله ترامب أو يقوله لكي يلحق بها. ورأى مراقبون أن ترامب خاطب في دافوس جماهير ثلاثة: حضور المنتدى كي يستثمروا في أميركا، جمهور منتخبيه، والصين بوصفها القوة التنافسية الأقوى لأميركا.

وانعكس هذا في خطاب ترامب، إذ تمسّك بوعده لناخبيه من أن «أميركا أولاً»، ولكنه حاول أن يخفف من وقعه، فقال إن هذا لا يعني أن «أميركا وحيدة»، وقال إنه يؤيد التجارة الحرة ولكن شرط أن تكون عادلة ومتبادلة وألا تنمو دولة على حساب الأخرى، مضيفاً أن الولايات المتحدة لن تغض الطرف عن السياسات الاقتصادية غير العادلة التي تشمل سرقة الملكية الفكرية والتخطيط الاقتصادي الذي تقوده الدولة والدعم الاقتصادي، في إشارة واضحة إلى الصين، كما اعتبر إصلاحاته الضريبية «الأكبر في تاريخ أميركا» وأنها خلقت بيئة استثمارية مشجعة للاستثمار في الولايات المتحدة.

أما المنطقة العربية فتمثلت في السعودية والإمارات اللتين ذهبتا إلى المنتدى بثقلهما الاقتصادي. وأما مصر كقوة مركزية في العالم العربي، فعليها أن تنتظر سنوات حتى تمتلك اقتصاداً قوياً وصحياً تشارك به في الاقتصادات العالمية.

 

 

* كاتب مصري

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available