|   

النسخة: الورقية - دولي

يقتضي التقليد المتأصل في الحياة السياسية في الولايات المتحدة أن يلقي الرئيس، بصفته رأس السلطة التنفيذية، خطاباً سنوياً في الكونغرس، يحضره جميع أعضاء مجلسي السلطة التشريعية وقضاة المحكمة العليا، ممثلين السلطة القضائية، بالإضافة إلى طاقم الرئيس من الوزراء والقادة العسكريين، وجمهرة من الضيوف. وثمة صيغة تقارب القاعدة الثابتة للخطابات التي ألقاها الرؤساء على مدى الأعوام، ولتجاوب الحضور معها، ترحيباً وتصفيقاً وامتناعاً، وكذلك لتلقي جمهور المواطنين لها، متابعة وقبولاً يرفع من الرضا عن أداء الرئيس وفريق عمله.

لم يشذّ دونالد ترامب عن القاعدة، فجاءت كلمته مساء الثلاثاء الماضي ضمن الإطار المعهود، وكان التفاعل معها في القاعة وخارجها وفق التوقعات. إلا أن هذا التطبيع الشكلي لا يخفي على الإطلاق الحقيقة التي ترسّخت على مدى العام المنصرم من أن حال الولايات المتحدة هي الانقسام إلى حد لم تشهده منذ عقود عدة.

الجديد ليس في تواجد رؤى متعارضة ومتنافرة لدور كل من القطاعين العام والخاص في الاقتصاد والمجتمع. فالخلاف متأصل على مدى الطبقات الاقتصادية والأجيال السياسية بين من يرى أن الحرية تقتضي تقليص تدخل مؤسسات الدولة بكافة الشؤون، والتعويل على الذاتية لتحقيق الصالح الخاص، وعلى الطوعية للمعاضدة الاجتماعية، وبين من يرى أنه لا بد من دور للحكومة المنتخبة بصفتها التعبير الصادق عن رأي المجتمع في تصحيح الخلل الذي تتسبب به الحرية المطلقة، بما تنضوي عليه من الجشع والأنانية المرافقة للطبيعة البشرية.

والجديد ليس كذلك في الخلاف على الهوية التاريخية والثقافية للولايات المتحدة، فهو لا يزال محتداً منذ عقود بين من يرى أن لها استثنائية ترتقي بها إلى المصاف الأعلى في التجربة الإنسانية، من حيث النظام السياسي والقيم والتقدم الحضاري، بل ينسب هذا النجاح إلى أصول عرقية وحضارية معينة، وبين من يعتبر أن خطاياها الأصلية، سواءً في تجريد السكان الأصليين من أراضيهم وقمعهم والتسبب بإبادتهم، أو في استقدام العبيد عبر القارات وتسخيرهم، تلقي عليها دَيناً تاريخياً لم تجد السبيل بعد إلى وفائه، وتفرض عليها إعادة النظر بهوية من أنتج النجاح في هذه التجربة.

ولا الجديد في تباعد القناعات الأخلاقية والاجتماعية، فهو قائم اليوم كما كان قائماً بالأمس وأبرز مادته الإجهاض، حقاً أو تعدياً، والمثلية، واقعاً أو شذوذاً، بين من يعتبر الدين والأسرة إطاراً لا بد من الالتزام به في السلوك الشخصي وفي القرارات التي تطال الآخرين، وبين من يرى في ذلك تغليباً لأبوية أصبحت خارج السياق.

الجديد هو في احتدام الاصطفاف، وفي تراجع المساحة المشتركة. فبدلاً من التقارب المبهم، والذي يعترض التطابق فيه التداخل بين أطراف التجاذبات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، تشهد الولايات المتحدة تجانساً في ماهية الطرفين المتنازعين عبر كافة المستويات الخلافية. فحتى أمس قريب لم يكن المحافظ الاقتصادي حكماً وقطعاً محافظاً اجتماعياً ولا قومياً ثقافياً، وإذا هو اليوم على الغالب كذلك. ولم يكن الداعي إلى الرعاية الاجتماعية تقدمياً في قراءته للقيم ولا ناقضاً للاستثنائية المرفقة بتاريخ الولايات المتحدة، وهو اليوم على الراجح إلى ذلك أقرب.

هذا الاصطفاف بالتجاذب ليس وليد الأمس القريب، بل ابتدأ قبل عقود، إلا أنه كان للولايات المتحدة عاملان مؤخّران لأن يصل الاصطفاف إلى حد القطيعة، أولهما ثقافة عامة مشتركة قائمة على مادة إعلامية وسياسية واحدة، وإن مليئة بالسجال، وثانيهما قيادات سياسية ملتزمة بالحاجة إلى تعزيز الوسط لكسبه ودفع الطرف الآخر إلى الاقتراب منه دفاعاً عن مواقفه.

المادة المشتركة تآكلت بفعل تقنيات المعلومات وتطبيقات التواصل الاجتماعي، التي جعلت منها مواد متضادة متخالفة، لا مادة واحدة غنية بالاختلاف. أما القيادة الجامعة، فآخر الرؤساء الذين سعوا وحقّقوا هذا التوجه إلى الوسط هو بيل كلينتون في التسعينات، بل بدت المعادلة التي أنجزها، أي تقريب حزبه من المستقلين عند وسط التوزع السياسي، ما يدفع الحزب الخصم إلى اقتراب مماثل، وكأنها المعادلة التي سوف ترسو عليها البلاد في المراحل التالية. خلفه جورج دبليو بوش حاول شكلاً وفشل فعلاً نتيجة اعتبارات خارجة عن قراره، لا سيما الحرب على الإرهاب ثم ما تمخض عنها، بين السببية والاعتذارية، من حرب في العراق.

باراك أوباما، إذ حافظ على مقدار من الوسطية الجامعة في خطابه، بدا وكأنه ينتقم من تجاوزات بوش بإحكام الميل نحو دولة الرعاية التي تعتنق الرؤية التقدمية للقيم، وتنقد التجربة التاريخية للولايات المتحدة قولاً وفعلاً. أوباما تخلّى ضمناً عن الدور الجامع وإن لم يكن الأمر جلياً في خطابه الراقي. أما ترامب فنسخة عكسية عن أوباما في المضمون كما في الشكل. أما المضمون، فإنه حيث اختار أوباما دور الرعاية، كما في التأمين الصحي، انتقى ترامب نقيضه بالانسحاب، حيث سعى أوباما إلى الضم، كما في الخدمة العسكرية للمثليين، عمل ترامب على الحد، وإذا كان أوباما بعرقيته دليلاً على نجاح مسعى المساواة، فإن ترامب بعودته إلى العظمة الغابرة يسترجع التفوق الأبيض. أما الاختلاف بالشكل فواضح للعيان بين أوباما في فصاحته ووضوح تعبيره وأدبه، وترامب في ما هو نقيض ذلك.

ما معنى أن يدعو خطاب ترامب إذن إلى جمع الصف الوطني في خطاب «حال الاتحاد»؟ القليل جداً، طالما أن ما تلا هذا القول الشعائري هو مسعى صريح للإثارة العرقية من خلال إبراز مأساة ضيوف استحضرهم، قتل مهاجرين غير شرعيين ابنتيهم، وكأن جرائم القتل في البلاد توقفت هنا، والدعوة إلى بناء جدار يعزز التصوير الضمني للولايات المتحدة وكأنها قلعة تسعى الحشود الهمجية إلى اقتحامها، ومن خلال تصوير لم شمل الأسر، وهو ما جاء بأجداده وآبائه، وكأنه جزء من مؤامرة تهدف إلى تذويب هويتها.

لم تتعدَّ الوسطية في خطاب ترامب الشكلية المتوقعة للمقام. ولكنها، بالنسبة للعديد من مؤيديه، تشكل تنازلات خطيرة غير مقبولة، وإن كانوا مطمئنين إلى الطبيعة السجالية لطرحها، والى أن رئيسهم ما كان ليطرحها إلا لإدراكه استحالة قبولها من الخصوم. هي وسطية كاذبة لا تخفي البتة حال الانقسام في الولايات المتحدة. وعواقب هذا الانقسام، بعد أن أصبح موقع الرئاسة عامل مضاعفة له لا عامل تلطيف، لا تزال غير محسوبة، وما بدا منها في العام المنصرم، على خطورته، قد لا يكون إلا المقدمات.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة