|   

النسخة: الورقية - دولي

استقبلت أسواق الأسهم تسلم جاي (جيروم) باول رئاسة الفيديرالي الأميركي، بانهيار كبير غير مسبوق في جلسة واحدة: هبطت السوق 1175 نقطة، أو 4.6 في المئة على مقياس مؤشر داو جونز الصناعي. ولا شك في أن هبوط الأسواق المريع هذا ليس مسألة شخصية، بل هو مؤشر إلى المصاعب التي تنتظر باول في فك عرى تدخل الفيديرالي الأميركي، وهو درج على التدخل هذا في العقد الماضي، في أسواق الأسهم لزيادة أخطار الأصول. والمفارقة في تصحيح الأوضاع في سوق الأسهم هو توقيتها: تدور العملية هذه في وقت الاقتصاد الفعلي يبدو أقوى مما كان منذ 2005، على أقل تقدير، وربما منذ 1999. ومؤشر «ISM non-manufacturing index» في كانون الثاني (يناير) المنصرم، كان 59.9 في المئة الإثنين، والنسبة هذه تشير إلى ما يشبه طفرة في اقتصاد الخدمات. وارتفع مؤشر العمالة إلى 61.6 في المئة في كانون الأول (ديسمبر) المنصرم، بعد أن كان 56.3 في المئة. وهذه المؤشرات تشير إلى أن الاقتصاد الأميركي قفز إلى مستوى نمو أعلى من مستوياته الضامرة في عهد باراك أوباما. وبلغ نمو الاقتصاد الأميركي نحو3 في المئة على أساس سنوي منذ أيار (مايو) الماضي. وارتفعت وتيرة النمو نحو 4 في المئة بعد أن كانت 3 في المئة، وانبعثت التجارة العالمية على رغم القلق من سياسات حمائية. ومع البدء في إرساء إصلاح ضريبي، قد تتعاظم سرعة النمو في 2018. ومعدلات ثقة المستهلكين وقطاع الأعمال أعلى مما كانت عليه في السنوات الأخيرة، وبدأت الرواتب ترتفع ارتفاعاً أسرع في سوق عمل ضيقة. ووفق مركز «أتلانتا فد»، يفوق الناتج المحلي في الربع الأول من العام الحالي، 5 في المئة. إذاً، لماذا تهبط سوق الأسهم على رغم هذه الأنباء السارة؟ والجواب الأمثل هو: سوق الأسهم هي مرآة العودة إلى تقلب الأسعار والأخطار بعد سنوات من كبح سياسات الفيديرالي المالية هذه النزعات. فالفيديرالي الأميركي انتهج سياسة التيسير الكمي لشراء السندات، فكبح طوال عقد مؤشرات الأسعار في سوق السندات. ورمى من السياسة هذه إلى حمل المستثمرين على شراء أصول خطرة، ومنها في سوق العقارات والأسواق النامية، وسندات غير مرغوب فيها.

ولم تنعقد ثمار هذه السياسة في الاقتصاد الفعلي- ووتيرة النمو فيه كانت من الأبطأ في العصر الحديث. ولكن كان التيسير الكمي فرصة لا تعوض، إذا كان المرء يملك اسهماً، في وقت كان النمو بطيء الوتيرة، والتضخم متدنياً، وتقلب سوق الأسهم خفيفاً. ونجم عن السياسة هذه نقل الثروات من عمال الطبقة الوسطى إلى الأثرياء، وفوز دونالد ترامب في الانتخابات- وهو لا يدرك دور الفيديرالي في نجاحه. ويبدو أن الرئيس الأميركي يظن أن في الإمكان إبقاء معدلات الفائدة منخفضة إلى الأبد.

ولكن خفض معدلات الفائدة إلى الأبد متعذر، وتحديداً إذا كان النمو يتعاظم. والمستثمرون اليوم بدأوا يدركون أن حفل التيسير الكمي المالي يشارف على الانتهاء. وبدأ الفيديرالي الأميركي عملية العودة عنه (التيسير...)، ولو كانت العودة عنها بطيئة في أميركا. ولكن وتيرة النمو الأسرع في أوروبا واليابان تشير إلى أن أيام شراء المصارف المركزية السندات، معدودة. وما تقدم يفسر ارتفاع، عائدات سندات الخزانة الأميركية الطويلة المدى (10 سنوات)، في الأسابيع الأخيرة قبل أن تهبط الإثنين المنصرم. فالفيديرالي الأميركي ضبط سوق السندات وقتاً طويلاً، ويبدو أن المستثمرين نسوا ما هي معدلات الفائدة العادية والطبيعية، ولم يتعرفوا عليها. واليوم، يتكيف المستثمرون مع هذا العالم الجديد من النمو المتسارع والقروض بأسعار السوق.

 

 

* افتتاحية، عن «وول ستريت جورنل» الأميركية، 5/2/2018،

إعداد منال نحاس

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available