|   

النسخة: الورقية - دولي

أميركا خسرت الحرب في أفغانستان. والقوى الغربية نفت الهزيمة وسعت إلى التستر عليها طوال سنوات. ولكن مع كل هجوم إرهابي، تبرز الهزيمة هذه أكثر فأكثر. وأبرز أخطاء الأميركيين هي أولاً إهمالهم أفغانستان في 2003 للانشغال باجتياح العراق. وخطؤهم الثاني هو التردد بين إستراتيجيتين: مكافحة الإرهاب ومكافحة التمرد، ووسائل الأولى مختلفة عن وسائل الثانية. والثالث أنهم تجاهلوا لوقت طويل، أي إلى حين تجميد الرئيس ترامب، أخيراً، المساعدات المالية إلى باكستان، ازدواجية موقف إسلام آباد، وهي والدة طالبان الرؤومة وملاذ الإرهابيين. ورابع أخطاء الأميركيين هو إرساء سلطة حامد كارزاي الفاسد، في أفغانستان ودعمها. وكارزاي من غير شعبية، وتبين أنه عاجز عن تحسين الحوكمة المحلية التي تغلب عليها شبكات الزبائنية، وعن القضاء على إمساك أمراء الحرب وحكام المناطق بمقاليد الإدارة، وهم على رأس الزبائنية والفساد. وانتخابات 2014، وشابها التزوير، لم تكن جسراً إلى معالجة ضعف الدولة. والتنافس بين الرئيس الأفغاني، أشرف غني، وهو بشتوني، ورئيس الحكومة، الطاجيكي عبدالله عبدالله، شلّ عجلة الحياة السياسية في البلد، فبلغت أفغانستان طريقاً مسدوداً لا يعرف أحد سبل الخروج من متاهته.

وأينما سعت أميركا إلى تدريب القوات الأمنية المحلية، كانت الخيبة في انتظارها. وأولت واشنطن تدريب القوات المحلية وتسليمها دفة البلاد، الأولوية في إستراتيجية باراك أوباما. وبذل الأميركيون 25 بليون دولار لإنشاء الجيش العراقي، و65 بليون دولار لإنشاء قوات أفغانية يعتد بها. وسرعان ما انحل الجيش العراقي وانفرط عقده أمام مقاتلي داعش في الفلوجة ثم في الموصل. والقوات الأفغانية ينخرها الفساد وعمليات الفرار والانشقاق من الجندية. وعلى رغم بذل هذا المبلغ الضخم لإنشائها، تفتقر إلى عتاد يخولها القيام بعملها على أمثل وجه، ولا تملك حصانة في وجه «الجهاديين» الذين يتسللون إلى صفوفها ويخرقونها. وهي تفتقر كذلك إلى الطموح والإرداة: ثلث عديدها يُجدد سنوياً.

وسلسلة الأخطاء هذه تفسر يسر استعادة طالبان السيطرة على السلطة في شطر كبير من البلاد. وعلى وجه التحديد تمدد الحركة منذ سحب الأميركيين الشطر الأعظم من قواتهم في 2014. وجيوب حركة طالبان ممتلئة ومحشوة بأموال تجارة الأفيون، وهم يملأون الفجوات في الخدمات الناجمة عن عجز السلطة المركزية. وعلى نحو ما يفعل «الجهاديون» في مالي، حيث سلطة الحكومة تقتصر على العاصمة، تستثمر الحركة في البنى التحتية المحلية، وتشيّد المدارس ومستوصفات صحية. وإثر طرد مقاتلي داعش من بلاد المشرق، وجد مقاتلو التنظيم مخرجاً ولجأوا إلى أفغانستان، وانتخبوها ملاذاً آمناً لمواصلة القتال. وليست الخيارات المتاحة أمام ترامب للخروج من الأزمة الأفغانية كثيرة. ويبدو متعذراً اليوم إرسال عدد كبير من القوات لقلب موازين القوى الإستراتيجية وتغييرها. والانسحاب العسكري هو صنو تسليم أفغانستان إلى الإرهابيين بعد أكثر من 16 عاماً من الحرب. وإلى يومنا هذا، المرابطة الأميركية العسكرية هي شريان حياة النظام الأفغاني، وتحول دون سقوط المدن الكبيرة في أيدي طالبان. والصدوع بمفاوضة طالبان هو كذلك صنو التخلي عن أفغانستان. وتجربة روسيا في أفغانستان، شأن التجربة الأميركية، أليمة. وعلى رغم هذه الجروح، باشرت موسكو التفاوض مع طالبان. ولكن حظوظ مثل هذه المبادرة بالنجاح ضعيفة إذا لم تدعمها باكستان. وهي تقتضي حنكة ديبلوماسية وشجاعة سياسية. ويبدو أن البيت الأبيض يرى أن الأوان لم يحن بعد لمباشرة مثل هذه المفاوضات. وإلى أن تغير واشنطن موقفها، كابول على حالها، قلعة محاصرة بالحواجز ومزروعة بالجدران المقاومة للتفجيرات. ولكن الحواجز هذه والجدران هي مثل سراب يتبدد ما إن يهب الهواء، هواء التفجيرات.

 

 

* مراسلة، عن «لوفيغارو» الفرنسية، 1/2/2018

إعداد منال نحاس

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة