|   

النسخة: الورقية - دولي

الشروخ في علاقات أنقرة مع حلف الناتو، لا سيما الولايات المتحدة، جراء سياسة الرئيس التركي في الإقليم، تتعمق. أخطر هذه الشروخ بالنسبة للغرب ما يهدد بأفول دور تركيا الاستراتيجي تدريجياً كمنطقة عازلة بالغة الحيوية بين الاتحاد الأوروبي القلق والشرق الأوسط الملتهب.

هذه العلاقات مرشحة للمضي في مسارٍ يضعها عند مفترق طرق غير مسبوق منذ انخراط أنقرة في عضوية الناتو في شباط (فبراير) 1952.

هذه الشروخ مرشحة للازدياد مع تزايد عزلة الرئيس رجب طيب أردوغان عن الغرب جراء رفض الاتحاد الأوروبي طلب عضويةٍ ما فتئت بلاده تتقدم به منذ 13 عاماً. وقد بان ذلك بوضوح أثناء زيارته الأخيرة إلى باريس حيث سمع كلاماً قاطعاً من نظيره الفرنسي في هذا الخصوص: «لا توجد هناك فرصة على الإطلاق في الوقت الراهن كي تتقدم تركيا نحو الانضمام على الاتحاد الأوروبي»، قال إيمانويل ماكرون. وأضاف: «يجب الكف عن التظاهر المضلل بهذه الإمكانية».

علاقات تركيا مع الناتو تمر منذ عدة سنوات بمرحلة حرجة إذ بات أردوغان يواجه لأول مرة في تاريخ هذه العلاقات اختباراً يعتبره البعض تاريخياً وقد ينتهي بخروج أنقرة من حلف الأطلسي. من الناحية العملية، العلاقات بين الطرفين راهناً غير مسبوقة في سوئها.

هناك مسألتان في صلب المشكلة: تعامل أردوغان مع المسألة السورية من ناحية، وموقفه من ميليشيات وحدات حماية الشعب الكردية المسيطرة على أجزاء كبيرة في شمال سورية والمدعومة من الولايات المتحدة. يبحث الرئيس التركي عن بدائل لحلفاء بلاده التاريخيين ويقدم للأتراك والعالم، في هذه الظروف الاستثنائية، روسيا وإيران نموذجاً عن هذا البديل.

العلاقات بين أنقرة والناتو شابها التوتر في السابق واستمر لعقود عدة، لكن أهمية تركيا الاستراتيجية للغرب في زمن «الحرب الباردة» باعتبارها صاحبة ثاني أكبر جيش في الناتو، كانت تحتم ترحيل المشاكل العالقة بين الطرفين أو تحول دون تفجرها. فالعلاقات استمرت على سبيل المثال قوية على رغم التوتر بين تركيا واليونان على مدى ثلاثة عقود تقريباً، وعلى رغم الخلافات الحادة بين أنقرة وواشنطن إثر الغزو التركي لجزيرة قبرص الذي أدى إلى تقسيمها في منتصف السبعينات.

لقد قدمت تركيا في فترة ما حالة نموذجية للغرب عموما والناتو على وجه الخصوص عززت من مكانتها الدولية، وسميت بالمرحلة الذهبية المعاصرة جراء قيام تحالف سياسي بين حزب العدالة والتنمية (الإخوان المسلمون) وحركة محمد فتح الله غولن المعروفة بالتركية باسم «حركة خدمة» في مطلع الألفية. وقدم التحالف صورة معاصرة عن تركيا بأنها دولة حديثة رأسمالية إسلامية، يمكن أن تكون نموذجاً إيجابياً في شرق أوسط أحبط جلّ مساعي الغرب في تقديم تجربة ناجحة في الإقليم. ولكن سرعان ما تبخرت هذه التجربة بدءاً من 2013، وانتهت بانفراط التحالف التام إثر محاولة انقلابية اتهم أردوغان حركة غولن بتدبيرها في صيف 2016، حيث بلغ عدد المعتقلين المتهمين بالمحاولة حتى الآن نحو 55 ألفاً من كبار موظفي الدول وضباط الجيش ورجال الدين.

أما تدهور العلاقات راهناً بين الطرفين فيسير باتجاهات مختلفة ويبدو أنه أسوأ من أي مرحلة سابقة. فالخلافات السابقة أكانت حول اليونان، أو لاحقاً حول قبرص، كانت عابرة وتمكن الحلف الأطلسي من تجاوزها مع مرور الوقت. ولكن الآن الوضع مختلف لا سيما في ضوء تصاعد الشكوك من طرف أردوغان بنوايا الغرب، بما في ذلك الولايات المتحدة، لجهة التخلص منه. وهو يتهم الغرب، حليف تركيا التاريخي، بتدبير انتشار المظاهرات الشعبية ضده في إسطنبول ومدن أخرى فضلاً عن مشاركة الغرب في محاولة الانقلاب في 2016.

في الواقع، وجه أردوغان اتهاماً مباشراً إلى حكومات دول الناتو، وخص بالذكر ألمانيا، بتقديم الدعم الفوري لعدد من ضباط الجيش بمنحهم فرص اللجوء إلى تلك الدول. كما أن رفض الإدارة الأميركية تسليم فتح الله غولن المتهم بتدبير الانقلاب ضده، أغضب أردوغان الذي اعتبر رفض واشنطن تسليمه جزءاً رئيسياً من «المؤامرة» ضد حكومته.

في كل الأحوال، وجد الرئيس التركي في الانقلاب الفاشل فرصة ذهبية كي يسارع في إعادة تشكيل قيادة القوات المسلحة لبلاده في شكل يتناسب مع فكر وسياسات حزب العدالة والتنمية التي يرغب بها أردوغان. فقد فصل جلّ كبار الضباط واستبدلهم بضباط من حملة الرتب الأدنى، مغيراً بهذا الإجراء وجه الطبقة الحاكمة في البلاد لأول مرة منذ منتصف القرن العشرين. ألا أن الاختبار الأهم لعلاقة أردوغان مع الناتو ولتماسك الحلف الأطلسي في آن هو كيف ستنتهي الأمور في المسرح السوري. فاستراتيجية تركيا أردوغان تركز في الأساس على الشأن الكردي المتمثل راهناً بالمواجهة مع تنظيم وحدات الشعب الكردية في شمال سورية. وتضع هذه الاستراتيجية أردوغان على الفور في مواجهة مع الناتو عموماً ومع الولايات المتحدة على وجه الخصوص.

عندما اندلعت انتفاضة سورية عام 2011، سارع أردوغان إلى التخلي فوراً عن صديقه السابق الرئيس السوري معرباً هو وزوجته أمينة عن «خيبة أملهما» ببشار الأسد وزوجته أسماء. وقدم تحالف الأطلسي منذ 2012 إلى تركيا وحدات من صواريخ «باتريوت» لمواجهة أي هجوم صاروخي محتمل من الأراضي السورية. كما قام الناتو بنصب قواعد لطائرات «أواكس» على طول الحدود المشتركة مع سورية لمراقبة الأجواء الحدودية في 2015. وقد كان لهذه الطائرات دور فعال في الأراضي الخاضعة لـ «داعش» منذ تشرين الأول (أكتوبر) 2016.

والآن باتت علاقة كهذه تخضع للمراجعة، سيما في ضوء دعم واشنطن المفتوح لميليشيا وحدات الشعب الكردية، إذ يرسل أردوغان جيشه إلى عمق الأراضي السورية لمحاربة هذه الميليشيا متهماً إياها بالإرهاب. فهو يعتبر تنظيم الوحدات منظمة إرهابية وامتداداً لحزب العمال الكردستاني، العدو اللدود لأردوغان. وهكذا فتركيا، ثاني أكبر مساهم في الناتو، تضع الآن حلف الأطلسي عند مفترق طرق جراء حملة أردوغان في سورية.

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة