|   

النسخة: الورقية - دولي

أطلقت قضية وينستاين (وينشتاين) وحملة «مي تو» (أنا كذلك) حركة دولية منددة بسوء استخدام الرجال قوتهم وسلطتهم، وترددت ارتداداتهما في أصقاع العالم كله. ولكن أثرهما في الولايات المتحدة مختلف عن نظيره في فرنسا. وهذا التباين يعود إلى تباين في المجتمعين هذين. ففي أميركا ليس الإغواء ركن الهوية الوطنية، على ما يحسب فرنسيون كثر، ومنهم كاترين دونوف الممثلة الشهيرة الموقعة على بيان يذود عن الحق في الإغواء والتطفل (إقحام النفس). ولكن ما يجمع بين الحركات الناجمة عن قضية وينستاين وحملة «مي تو»، هو طعنها فيما أسماه بيار بورديو، «الهيمنة الذكورية»، سلطة الذكور في دوائر العمل والسياسة والأسرة. وأرى أن المسألة أقرب إلى تمرد أو احتجاج على ثقافة الامتياز الذكوري، وعلى ثقافة يحسِب فيها الرجال أنهم يستحقون كل شيء- وهي ثقافة تربط بين تحقير النساء وبلوغ الرجولة مداها. والمسألة هذه أقرب إلى الاحتجاج هذا منها إلى الدوران على علاقة الإناث بأجسادهن والتحرر. وفي الحركات النسوية الفرنسية في القرن الماضي، كان شاغل المقاربات والتحليلات «علاقات القوة بين الجنسين». وهذه التوازنات أو العلاقات هي مدار النقد اليوم في حركة #Metoo ونظيرها الفرنسي #Balancetonporc . ومثل هذه الحركات الاحتجاجية هو حلقة من حلقات حركات النضال النسوي من أجل المساواة والاحتجاج على سوء استخدام السلطة الذكورية. وانتقاد الهيمنة الذكورية أو الرجالية متعذر من دون الإدلاء بأمثلة على أشكال الهيمنة هذه و «عملها» والأثر الذي تخلفه في النساء «الفرادى». فالإناث هن ضحايا سوء استخدام الرجال سلطانهم وسلطتهم- وهن ضحايا نظام تغيب فيه المساواة وثقافة توحي للرجال بأنهم مطلقو الحقوق وأصحاب الحقوق كلها. ولكن حين تطالب النساء بالمساواة، ويقدمن أنفسهن على أنهن «ضحايا» الهيمنة هذه، يقعن في معضلة وتناقض: مكانة الضحية تخالف ما تفترضه المساواة. وعليه، تنتهي المساواة المنادى فيها إلى إنتاج من جديد ما تريد النسويات دحضه وإنكاره. واليوم، النساء صاحبات الاحتجاج لا تخرجن صورتهن على أنهن ضحايا عاجزات. فثمة قوة في التنديد بالمضطهِد والجائر وفضح المُقدِم على استغلال مكانة قوته و «جنسه». وترفع النساء الصوت على رغم الضغوط الرامية إلى كم أصواتهن. وأطعنُ في ما آلت إليه الأمور في الولايات المتحدة، أي تسليط الضوء فحسب على السرديات الفردية وإهمال المسألة الأبرز: هوة التفاوت بين الجنسين على حالها على رغم سنوات- لا بل قرون- من المعارضة النسائية.

وآلمني ما ورد في «نص دونوف»، ولكنه لم يقع عليّ وقع المفاجأة. فهو يندرج في تراث أو عرف يربط بين الهوية الوطنية الفرنسية والإغواء. وتناولت المسألة في نص طويل عنوانه: «الإغواء: نظرية فرنسية»، وشرحت فيه أن الربط بين فكرة الإغواء والهوية الفرنسية هو أسطورة، ومن بنات رؤية محافظة وغير ديموقراطية وبطريركية. وبعضهم يلتزم هذه الرؤية المحافظة إلى الهوية الوطنية الفرنسية، ولكن كثيرات من النسويات الفرنسيات يصلينها النقد ويصفنها بالضلال. وترفض هذه النسوة فكرة التكامل غير المتناظر أو غير المتكافئ بين الجنسين، كما فكرة التراضي الحبي أو التراضي بين عاشقين، وفكرة الكياسة معياراً لسلوك الرجال. وهذه الأفكار كلها، في عين مثل هذه النسويات، معادية للنساء. وهذا الضرب من النسوية يرفع لواء المساواة، ولسان حاله بيان نشر على موقع «ميديابار Mediapart ونقل إلى لغات كثيرة. وأرى أن هذا الضرب من النسوية يمثل النسوية الفرنسية أكثر من الرسالة المحافظة والمهينة التي ذيلتها كاترين دونوف بتوقيعها.

ولا أرى أن مسألة الرسالة «الدونوفية»، وهي موضع نقاش وجدال شائك، هي مرآة نزاع بين أجيال من النساء والنسويات. فشطر راجح من النسويات من جيل الممثلة يطعن في اختلال ميزان علاقات القوة بين الجنسين منذ وقت طويل، ومنهن فرانسواز كولان، وكريستين دلفي، وجنيفييف فريس، وميشيل بيرو. والنزاع اليوم ليس نزاعاً بين الأجيال، بل هو نزاع سياسي متشعب. فمن يرى أن الإغواء هو من سمات الهوية الوطنية الفرنسية يتذرع بالسمة هذه في حملاته المعادية للمسلمين. ويزعم أن المسلمين «غير قابلين للاندماج» في المجتمع الفرنسي بسبب التزامهم الكبت الجنسي الذي يخالف «الحرية الجنسية»، وهذه رفعت دونوف و «أخواتها» لواءها. وفي وسع حركة «Balancetonporc» الفرنسية الطعن في هجمات عنصرية على المسلمين تُنفذ باسم تحرر النساء الجنساني.

ولا أرى أن بيان «الحرية في التطفل وإقحام النفس (على الأنثى)» هو مرآة نزاع طبقي. وليست الميسورات والمثقفات والبيضاوات في منأى من غياب المساواة، وهن شأن العاملات يعانين من خلل في المساواة. و «نساء دونوف» أو النسوة من أمثال دوفوف وأنصارها، يعملن في دوائر الفن والإعلام، ولكن كثيرات في هذا الوسط وهذه الدوائر المهنية يرفعن الصوت ضد سوء معاملة من هم في موقع القوة لهن. ويندرج التنديد بسوء استخدام الرجال لسلطاتهم في سياق حملة سياسية أطلقتها مناضلات نسويات تطالب بالمساواة، في مكان العمل تحديداً. فمعظم الانتهاكات تقع في دوائر المهنة والعمل. وفي هذه الدوائر، يشغل الرجال مراتب مهنية عليا، ويمارسون قوتهم، أي مطالبة النساء بامتيازات جنسية. وليست المسألة حرباً بين الجنسين، بل حركة سياسية ترمي إلى إرساء المساواة بين الجنسين- وهذه المساواة مكرسة في الدستور الفرنسي وفي قانون الندية وخطاب السياسيين. وعلى رغم التكريس هذا في النصوص، التفاوت كبير بين الجنسين. وعلى المستوى النظري والمُثلي، السبيل الأمثل إلى تجديد الحركة النسوية هو المطالبة بالمساواة في الرواتب لقاء الأعمال نفسها، وحظر التحرش الجنسي في العمل، وتشجيع الرجال المؤيدين لهذا النضال.

 

 

* مؤرخة، عن «ليبراسيون» الفرنسية، 26/1/2018، إعداد منال نحاس

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة