|   

النسخة: الورقية - دولي

يشكل الابتكار أحد أركان اقتصاد المعرفة، وهو هدف «رؤية 2030» السعودية. فقد اعتمدت المملكة على الخارج لتحقيق التطور التكنولوجي، لا سيما من خلال استيراد السلع المتقدمة. ولكن هذا النمط أصبح غير قابل للاستدامة، إذ أدركت الحكومة أن السعودية في حاجة إلى تعزيز معدل الابتكار الوطني المحلي... فكيف يمكن القيام بذلك؟

يتصور الخبراء عادة أنه لا يمكن تحويل غير المبتكر إلى مبتكر، إذ يتطلب ذلك قناعة ممن يمارسها، وعقلية خاصة بالمبتكرين، غير قابلة للزرع في شخص لا يمتلك هوية المبتكر. وإن كان هذا التصور دقيقاً، فإنه مقلق إذا كان البلد يعاني من نقص شديد في المبتكرين، ربما غير قابل للمعالجة عن طريق سياسة حكومية.

وأنجز الباحثان جوشوا زيفين وإليسابيث لايونس (جامعة كاليفورنيا في سان دييغو) بحثاً جديداً يناقض التصور السائد بأن من غير الممكن صناعة المبتكرين. ويشير المؤلفان أولاً إلى أن سياسات التنمية الاقتصادية تفترض دائماً أن عدد المبتكرين في الاقتصاد ثابت، وبالتالي تركز تلك السياسات على كيفية تحقيق أقصى استفادة ممكنة منهم، عبر سياسات التجارة والهجرة، وحماية الملكية الفكرية. ويرى الباحثان أن هذا الافتراض قد يكون غير دقيق، وأن هناك دوراً لسياسة تنموية قائمة على إقناع غير المبتكرين لتبني مهنة الابتكار. ويبحثان في الموضوع عن طريق تجربة علمية أجرياها في جامعتهما، في قسمي علوم الحاسب والهندسة، وهما المصدران الرئيسان للمبتكرين المحتملين، إذ يعمل الكثير من خريجي الجامعة من القسمين في «سيليكون فالي»، الذي يعتبَر أهم تكتل للتطور التكنولوجي.

وأعلن الباحثان عن مسابقة لاختراع تطبيق يساعد على النوم، مفتوحة للمتخصصين في الهندسة وعلوم الحاسب، مع مكافآت مالية ملحوظة لأفضل ثلاثة اختراعات (5 آلاف دولار للفائز الأول، وألفان للثاني، وألف للثالث). وسجل عدد محدود من الطلاب في المسابقة بناءً على الجهود الترويجية للمنظمين، ولكن غالبية الطلاب لم يسجلوا.

هل يمكن صنع مبتكرين من المجموعة التي لم ترغب في المشاركة في مسابقة الابتكار؟ للإجابة على هذا السؤال، وزّع المؤلفان حوافز مالية للتسجيل والمشاركة على عدد من غير المسجلين. ولأجل العدالة، استلمت المجموعة الأولى، من سجّل من غير حافز، المبلغ ذاته لاحقاً.

قبل مقارنة أداء المحفَزين بغير المحفَزين، ينجب أولاً الإشارة إلى الاختلافات بين الفئتين. إذ اتصفت المجموعة التي سجلت فقط بعد استلام الحافز بتمثيل أكبر للإناث، وللتخصصات الفرعية البعيدة عن مجال المسابقة، وأيضاً لأصحاب المعدلات التراكمية للدرجات المنخفضة نسبياً، وهو دليل عن مستوى أضعف في الذكاء.

كيف انعكست هذه الاختلافات على الأداء؟

أولاً: في شكل عام، لم يختلف أداء الفئتين، ما يشير إلى أنه يمكن صناعة مبتكرين.

ثانياً: من بين المجموعة التي سجلت بعد استلام الحافز، كان أداء المشاركين الأقل ذكاءً أضعف في شكل ملحوظ من أداء المشاركين الآخرين، بينما حقق الأذكياء أداءً شبيهاً بأداء المجموعة التي سجلت من غير حافز. ماذا يعني ذلك؟

يشير هذا الاستنتاج إلى أن هناك حاجزين أمام من لا يرغب في ممارسة دور المبتكر من دون حافز. أولاً، قلة القدرة، إذ يبتعد عن المهنة لأنه يعلم أن أداءه سيكون أضعف، وثانياً: العوامل غير المتعلقة بالقدرة، كانعدام الثقة في النفس، أو قلة الخبرة.

فكيف يمكن لأصحاب القرار السعوديين الاستفادة من استنتاجات هذا البحث؟ يجب إجراء تجارب مماثلة في أفضل الجامعات التقنية في المملكة، كجامعة الملك فهد، وجامعة الملك عبدالله، وذلك للتأكد عن وجود الظاهرة ذاتها في المجتمع السعودي. وإن برزت نتائج شبيهة، يجب إقرار سياسة جديدة تسعى إلى صنع مبتكرين جدد، بناءً على تشجيع ممارسة مهنة المبتكر، ولكن فقط لمن يتميز بقدرات عالية وفقاً لمعدلات درجاته التراكمية.

من جهة أخرى، وفي شكل مواز، يجب درس أسباب قلة ممارسة هذه المهنة، عن طريق إجراء مسوح رصينة. وأتوقع أن أحد الأسباب الرئيسة في ما يخص الذكور هو الرغبة في الزواج: مهنة المبتكر قد تؤدي إلى دخل كبير، ولكنها عادة تؤدي إلى دخل متقلب وغير مستقر، ويقلل من فرص المبتكر للزواج، لأن الدخل المتين المستقر يشكل أحد أهم شروط الزواج من قبل المرأة. وإن كان تصوري دقيقاً، فقد يكون هناك دور لسياسة تساعد المبتكرين على تحقيق دخل مستقر، عن طريق دعمهم عند فترات الفشل، وفرض ضرائب في فترات النجاح.

ولا بد أن المرأة تشتكي من عوائق أيضاً، يجب تحديدها في شكل مهني عن طريق التشاور مع النساء مباشرة، وممثليهن في مجلس الشورى والمجالس الأخرى.

إنّ الاقتصاد السعودي يختلف في شكل كبير عن الاقتصادات الغربية، وهناك حاجة ملحة لتعزيز معدل الابتكار والاستثمار في المبتكرين السعوديين. وذلك لا يمثل سياسة دعم داخلي فقط، بل أيضاً استراتيجية منطقية، لأن الشباب السعوديين هم من يستوعبون الحاجات الخاصة للمملكة بشكل أفضل وأدق من المبتكرين الغربيين.

 

* مدير برنامج الدراسات الدوليّة في مركز «دراسات» - المنامة

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة