|   

النسخة: الورقية - دولي

يكاد يقتصر الإحياء الأصولي في السياق الغربي على تيار إنجيلي أميركي، يمثل حركة احتجاج ضد صيرورة العلمنة التي اندمج فيها التيار البروتستانتي المؤسس للدولة والثقافة السائدة في الولايات المتحدة. وهذه الصيرورة نفسها واجهت عموم المجتمعات الأوروبية، خصوصاً في ظل مرحلة الحداثة الفائقة بين منتصف القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، بل أشعرت مواطنيها بالجوع إلى الروحانية، إلى درجة البحث عنها في الديانات الآسيوية، خصوصاً البوذية، فلم تنبعث منها موجات أصولية تذكر.

وربما كانت الثورات الشبابية في الستينات بمثابة موجة احتجاجية على الأشكال الأكثر تطرفاً من العقلانية، كما على شمولية ومادية نمط الحياة العصري، وبالذات في فرنسا حيث كانت النواة الصلبة هي حركة الطلاب، ولكنها تظل أقرب إلى موجات الاحتجاج الرومانسي لا الأصولي، إذ خرج الشبان إلى الشوارع معلنين العصيان على التوجهات العامة لآبائهم، ومطالبين بنظام أكثر عدالة ومساواة. وكذلك الاحتجاج على شوفينية حكوماتهم، رافضين الاشتراك في حروب بلادهم خصوصاً التوسعية، التي كانت سائدة آنذاك إبان الحرب الباردة وتوازن القوى بين القطبين الكبيرين. كما رفضوا الدراسة في جامعاتها، في محاولة يائسة منهم لخلق ثقافة مضادة لقيم التيار الرئيسي، أو لصوغ «مجتمع بديل» أكثر تديناً ربما ولكن من دون عقيدة كلية مؤسسة، أو بنى سلطوية تتأسس حولها، مثلما هو الأمر في جميع الديانات التقليدية الموروثة والتي لا تزال قائمة.

لقد كان لدى هؤلاء جوع حقيقي للروحانية، ليس رفضاً للعقلانية ذاتها بل لأشكالها الأكثر تطرفاً، والتي اتخذت، في الجوهر، شكل أرثوذكسية جديدة تطلب من جموع البشر المحدثين عبادتها، حيث جعل المزاج العلموي المهيمن على الحداثة من العلم أيديولوجيا كاملة، تنطوي على تفسير شامل للوجود وليس فقط رؤية منهجية لمقاربة ظواهر الطبيعة والعالم، ومن ثم رفض تقبل أي أسلوب آخر للوصول إلى الحقيقة، فاتخذت الحياة شكل مجموعة حتميات دارت في فلك مفهوم التقدم التاريخي، وانطوت في إسارها مجالات الحياة المتعددة.

ومن ثم يمكن القول، باطمئنان، إن هذه الثورات كانت خليطاً من النزعة الرومانسية والروحانية الدينية، انفجرت في الفضاء السياسي ضد كل الشموليات القائمة، على منوال تلك النزعة الرومانسية التي كانت قد انفجرت منتصف القرن التاسع عشر، في الفضاء الأدبي، ضد الشموليات التي كانت قائمة آنذاك، والتي كانت مورست باسم العقل النظري (التنويري)، وفي ظل ظرف تاريخي تمثل في الثورة الصناعية الأولى، وما وقع خلاها من تضحيات جمة، واغتراب عميق، ومآسٍ كبرى، ضمن عمليات إعادة التشكيل الاجتماعي التي ترتبت على حركة التحديث المتسارع آنذاك.

وربما دفعت تلك الثورات بالعلمانية الأوروبية إلى أن تصبح أكثر اعتدالاً في غير مكان، خصوصاً في فرنسا، لكن الأوروبيين، عموماً، استمروا أكثر ثقة بعلمانيتهم التي لم تفقد طبيعتها الجوهرية، حتى في تلك البلاد التي شهدت أحزاباً تحمل وصف المسيحي، خصوصا الحزب المسيحي الديموقراطي في ألمانيا، الذي قاد حركة إعادة البناء والوحدة في حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ولا تزال ترأسه السيدة مركل من موقع المستشارية حتى الآن، كونه حزباً علمانياً بامتياز، يحترم الدستور والنظام العام على نحو حاسم، ولكن من دون تطرف في علمانيته. فهو يعبر عن مسيحية حضارية أو أخلاقية وليس مسيحية سياسية بأي حال. وعلى هذا لم يشعر الأوروبيون قط بأنهم مرغمون على مراجعة أنفسهم في ضوء النموذج الأميركي المختلف للعلاقة بين الدين والعلمانية، والذي كان قد أسس لدولة حديثة تقوم على يدي بشر ولكن في ظل رعاية إلهية، مثلما كانت نشأة أورشليم، المدينة المقدسة فوق التل. بل إنهم، على العكس، اعتبروا أنفسهم بمثابة المعيار الحديث الذي يتوجب القياس إليه، موقنين بأن صيرورة أفول الدين في مجتمعهم بمثابة الأمر الطبيعي والمنطقي، وأنه تعبير عن النزعة التقدمية في التاريخ البشري، وذلك إلى الحد الذي لا تحتاج معه تلك الظاهرة إلى تعليل. فما يحتاج إلى التعليل، في نظرهم، إنما هو النموذج الأميركي المنحرف عن المعيار الأوروبي للعلمنة، خصوصاً بعد أن اعترفت الكنيسة الكاثوليكية بالعلمانية السياسية في المجمع الفاتيكاني الثاني في الستينات، اعترافاً قانونياً لا لبس فيه، وليس فقط اعترافاً سياسياً بالأمر الواقع. وإن كان ماكس فيبر، قد فسر تلك المفارقة مقللاً من هامش الاختلاف بين النموذجين، مؤكداً أن الدين الأميركي أصبح علمانياً للغاية بحكم الوظائف التي يؤديها، وفردياً للغاية بحيث لم يعد واجباً اعتباره ديناً.

وعلى هذا لم تشهد أوروبا، على وجه التقريب، حركات إحياء أصولية طوال القرن العشرين، وإن لم تكن في الوقت نفسه قد سلمت من آفات التطرف الأصولي، خصوصاً في القرن الحادي والعشرين، والقادم إليها مع حركة الهجرة الجنوبية من مناطق شمال أفريقيا، والشرق الأوسط، وشرق آسيا، أي من بلدان أغلبها إسلامية، تتفشى فيها الأصولية الدينية في شكل أو آخر. والبادي لنا أن معظم التطرف يكمن في الجيل الثاني من المهاجرين، أي أبناء المهاجرين، الذين ولدوا في أوروبا نفسها لكنهم لم يتمكنوا من الاندماج جوهرياً في ثقافتها، ما يعني أنها كانت قادرة على هضم علمانيتها واستهلاكها بين مواطنيها، فيما لم تستطع ممارسة عملية الهضم هذه في مواجهة المهاجرين إليها، الذين أبدوا نوعاً من الانتفاض العنيف ضد قيمها، خصوصاً في فرنسا، المفترض أنها الأكثر علمانية. وبغض النظر عن مدى مسؤولية العالم الإسلامي في إنتاج هذا القدر من التطرف، وهي مسؤولية كبيرة في كل الأحوال، يمكن القول أن أوروبا دخلت دائرة التهديد الحقيقي، خصوصاً في أعقاب الربيع العربي، وصار يتعين عليها البحث عن صيغ للعيش أكثر تفتحاً وأكثر قدرة علي إدماج مواطنيها المهاجرين، وأيضاً أكثر قدرة على التعاطي الخلاق مع مشكلات المنطقة العربية، وإلا فسوف يتعين عليها الاختيار بين أمرين أحلاهما مر: فإما استمرار المعاناة من الإرهاب الأصولي على نحو ما رأينا في وقائع الأعوام القليلة الماضية، وإما الانغلاق على الذات، وبناء جدران فاصلة حول حدودها، والتنكر من ثم لكل القيم التنويرية، وفي قلبها التسامح والتعايش وقبول الآخر.

 

 

* كاتب مصري

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
مقالاتالأكثر قراءة