|   

النسخة: الورقية - دولي

مع غياب الثقافة السياسية في سورية، وانعدام خبرة العمل السياسي عند السوريين، ومع حدة المواجهة الدموية مع النظام، طغى على الصراع السياسي، الذي نهض بقوة في آذار (مارس) 2011، ثقافة اعتمدتها «قيادات» المعارضة نابعة من ذهنية شعبية هي أقرب للتفكير الديني المبسّط، تعتمد معيار المقدَّس والمدنَّس في تعاملها مع مجريات الواقع، وترجو مجيء مخلّص قادر على الانتصار على النظام/الشيطان وهزمه بحركة واحدة وبلحظة خاطفة، من دون أن تُحسب له أية آثام، ومن دون أن يَترك أي تبعات تنجم عن هذا الخلاص النظيف.

لم تكن مقولة دنس النظام نابعة من الشارع الاحتجاجي، إذ أن قيادات هذا الشارع كانت تقبل التواصل والتفاوض مع النظام بدءاً من المجموعات الأمنية في الأحياء والبلدات وانتهاء برئيس النظام. ومع أن أغلب هذه المحاولات فشل في تحصيل بعض المكاسب، فإنها لم تعتبر الاقتراب من النظام والتواصل معه فعلاً دَنساً. لكن أصوات معارض الخارج، الذين أخذت أصواتهم بالعلو من خلال المنابر الإعلامية التي فتحت أبوابها لهم، هي التي دنّست فكرة التواصل من النظام، فتسببت بالجفلة والخوف لمن هم داخل البلاد من أن يتلوثوا بدنسه النظام. وصارت الطهرانية، جراء ذلك، منصة المباهاة الرئيسية، بحيث أصبحت تحسب النشاطات من حيث مدى طهرانيتها وليس من حيث جدواها وعائديتها على السوريين.

هذا الأمر شكل ضغطاً هائلاً على شخصيات المعارضة والناشطين الشباب الذين كانوا في ذاك الحين ما زالوا موجودين داخل البلاد، فعزفوا عن الاقتراب من فكرة الحوار المسؤول مع النظام من خلال التأسيس لمساحة حوار يساهم في التخفيف من تسارع الانهيار بالشكل الذي حصل (وكنت أنا شخصياً بين هؤلاء. فعلى رغم أني كنت مدركاً لما ستؤول إليه أوضاع البلاد ما لم نعتمد حواراً نصنّعه نحن، رفضت قبول دعوات الحوار الهزيلة التي تقدم بها النظام).

تدنيس الخصم هو أسلوب العاجز في خلق ذريعة لعدم الدخول في معركة حقيقية، وتبرير له للابتعاد عن الميادين، ليكتفي بعد إثبات دنس الخصم بشتمه ولعنه كما الاكتفاء بالاستعواذ بالشيطان الرجيم. فتصبح جميع مواقفه اللاحقة مجرد أدوات تعويض لعجزه، من دون أن يكون لها أي أثر في تغيير الواقع أو إغنائه.

كان لا بد لهذا النوع من الذهنية التدنيسية، المكتفية بنهج الندب والشكوى، أن تكتمل في صيغة ذهنية خلاصية، تبحث عن مخلّص لتستجديه القيام بمهام أصحابها. ولم يكن من الصعب تحديد هذا المخلص، إذ كانت التجربة الليبية ماثلة أمام العين حينها. إنه الولايات المتحدة ومعها حلف الناتو. فهي، وفق رؤية هؤلاء الخلاصيين، التي خلّصت الليبيين من معمر القذافي ومن أبنائه ومقاتليه من دون أي إثم. فبدأ العمل سريعاً على استنساخ النموذج الليبي، فكان تشكيل المجلس الوطني واعتماد عَلم غير العَلم الرسمي المعتمد، والحديث عن مناطق شبيهة ببنغازي الليبية لتكون منطلقاً لثورة مسلحة تفتح لها قوات الناتو الطريق إلى العاصمة دمشق وإلى القصر الجمهوري، إضافة إلى وضع الخطط الذهانية لعملية حظر طيران حتى قبل أن يستخدم النظام سلاح الطيران في مواجهة مسلحي المعارضة.

لم يطل الأمر حتى أدرك الخلاصيون أن المخلّص يفتقد الحوافز والمصالح ليقوم بالدور الخلاصي، وأن حافزه لذلك هو أن يرتكب النظام مجزرة مروّعة بحق المدنيين، فباشروا العمل لتحقيق ذلك. وقدّروا أن مصالحه هي بكل بساطة مجرد التقريع بإيران وروسيا والصين وحزب الله، ومهادنة إسرائيل، وأن السوريين لن ينسوا فضل من خلّصهم من الطاغية.

لا نحتاج لجرد جميع نشاطات وممارسات المعارضة السياسية، منذ تشكيل المجلس الوطني السوري إلى الآن، لنجد أنها لم تكن أبداً في مواجهة النظام إلا في كونها مساعي لاستحضار المخلّص، بما في ذلك الحديث عن قرب الانتصار العسكري على النظام، إذ يعرف جميع المعنيين أنها لم تكن سوى ادعاءات إعلامية هدفها تهوين الأمر على المخلّص وإظهار أن تدخله سيكون بسيطاً وغير مكلف.

فالمعارضة لم تشتغل إطلاقاً على تقويض النظام، كأن تسعى لاجتذاب مؤيديه، ولم تقم بالضغط عليه ليقلل من عنفه وقمعه، بل على العكس سعت لأن يزيد من ذلك أملاً بتحفيز المخلّص.

لم يسقط النظام، ولم يأت المخلّص. ولم نَجنِ، بعد ما يزيد على ثلاث سنوات من الصراع، غير العديد من المجموعات المسلحة، بعضها يضاهي النظام عنفاً وقمعاً وبعضها يفوقه في ذلك، وبقايا نظام آخذ في التحول السريع لأن يكون مجرد ميليشيا مسلحة لا أكثر. وهذا ما ظهر جلياً في خطاب القسم للرئيس بشار الأسد.

بعد هذه السنوات من الصراع نجحت الذهنية الخلاصية في ألا يكون لدينا حراك سياسي، ولا قيادات وزعامات وطنية. لأن الخلاصية تقوم وتتأسس على التشكيك بقدرات الذات الفاعلة، وتقيلها لتستعيض عنها بذات عاجزة متسولة الخلاص من طرف خارج الذات. إنها تدفع إلى نهج تسولي يحوّل الحراك البطولي التاريخي، الذي خرج بجبهات مرفوعة في تظاهرات الحرية التي عمّت جميع المناطق السورية، إلى مجرد ضحية يُجال بها على عواصم الدنيا لتسوّل العطف والتعيّش، محمولة على خطاب كخطاب الجَدّات العاجزات اللواتي يكتفين باللطم والنواح، ولا يهتممن بصناعة التاريخ أو بصنّاعه.

ليس لدى النهج الخلاصي أي أداة نضال ثورية تمكّننا من مواجهة التحديات الجسام التي تغلق الآن آفاق المستقبل السوري بشكل شبه نهائي. وعلينا، كيما نتمكن من تقويض النظام الاستبدادي ومواجهة المجموعات المتطرفة التفتيتية، والحفاظ على وحدة السوريين ووحدة كيانهم السياسي، أن نتخلى عن الخلاصيين وعن نهجهم وذهنيتهم، معتمدين في ذلك كله على القوى الذاتية والأهلية، في محاولة، ولو كانت متأخرة، لابتداع نهج سياسي ثوري يمكّننا من معرفة أفضل السبل لتحقيق هدفنا في بناء وطن حديث لجميع السوريين من دون استثناء.

* رئيس «تيار بناء الدولة السورية»

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
  1. Alternate textaymen dalati

    أصلا العمل الجماعي في مشروع وطني واحد سقط عبر مسار الزمن قبل ثورات شباب العرب، وقبله انتهى زمن الزعيم المخلص، فلا داع استحضارهما اليوم وكأننا نريد إدانة المعارضة كيفما تشكلت وكيفما تحركت، والأصح أن نذكر أنه منذ البداية تراجع النظام وتقدمت السلطة ورفضت عمليا ومن اللحظة الأولى فكرة الحوار الجاد والبناء، ودفعت الأمور لهذا الإتجاه التدميري.

    الثلاثاء 22 تموز 2014 7:56 م

  2. Alternate textسامي الصوفي

    للحق، لا يوجد فرصة لتوحيد المعارضة السورية إلا و كان لؤي حسين؛ رئيس تيار بناء الدولة السورية أول الخارجين عنها! هذا التيار هو تيار بالكاد يملأ أعضاؤه في كل محافظة سورية باص مدرسة! التيار ينقل ما يمليه النظام على رئيسه الذي يأخذ أوامره من المستشارة الرئاسية بثينة شعبان! و هذا ما يفسر كلام التيار المستمر عن الحل السياسي بعد كل ما أصاب سوريا! أما عندما يتكلم لؤي حسين عن "غياب الثقافة السياسية وانعدام خبرة العمل السياسي عند السوريين"، فهو يذكرني بالمثل الشعبي السوري؛ "و الله كبرتي يا مخطتي و صرتي تشرّي و تشيلي و تحطّي"!

    الثلاثاء 22 تموز 2014 8:27 م

  3. Alternate textتيم الهاشمي

    الحوار المسؤول مع النظام السوري معروف النتائج ، ولاحاجة لأن تلحق الكذاب لوراء الباب ، فالنظام المستبد بدأ بالقمع منذ اللحظة الأولى لأن وصية الأب لابنه هي أن النظام يريد إسقاط الشعب ، والسوريون يعرفون أن المعارضة لاتمثل إلا اشخاصها ، ولذلك فحرية الحركة معدومة بالنسبة لها فإما مهزلة تفاوضية لإشراكها في جبهة تقدمية جديدة لصاحبها الحاكم بأمره ، وإما انتظار دبابة أمريكية تقل (الشلبيين) إلى الحكم . الحراك السوري هو انفجار لأوضاع لن تستمر إلا بالقمع أما دور المعارضة الوطنية والعميلة فهو التفرج على الصراع بين الحاكم والمحكوم.

    الثلاثاء 22 تموز 2014 8:55 م

  4. Alternate textعلى إبراهيم

    مقال يعتبر إضافة إلى رصيد الكفاح السورى فى حال تمت قراءته وإستيعابه فى هدوء. وفى السياق لابد للمتابع المنصف إلا أن يقر بأن الثورة قد أفلحت فى إنجاز الكثير وكادت تنجح فى إستحضار المخلص فعلا لولا إصطدام نجاحاتها بأغرب مفارقات التاريخ: إختطاف القرار الأممى من قبل قوى جبارة عملت أصلا كما تعمل عصابات المافيا, إنكفاء أكبر مراكز قوى الموازنة الدولية إلى الداخل بشكل كامل والإكتفاء بلعب دور المشاهد (أمريكا) والتى تماهت معها تركيا والأردن والسعودية خلافا لما يعتقده البعض. وهى قوى إقليمية ومحلية ودولية تواطأت جميعا على الربيع العربى (بعضها يظن أنها من مناصرى الثورة إلا أنها فى الواقع هى أصلا ذات القوى العميقة التى يتحدثون عنها, تكالبت معا: رجعية, بقايا يسار موتور,قوميون فاشيون, أصوليون قرووسطويون وهم جميعا أعداء تقليديون للديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان.وآخرون خلف ظهرانيهم لايعلمهم إلا الله وروسياوالصين بإعتبارهما عضوان دائمان فى مجلس الأمن وإيران وحزب الله وكل من هب ودب. كل ذلك برغم إبادة مئات الآلاف من هذا الشعب الأعزل وتشريد الملايين منه فى الآفاق بعد أن مورست بحقه كافة أنماط الوحشية والإجرام..

    الثلاثاء 22 تموز 2014 9:57 م

  5. Alternate textفيصل جعاره

    شكرا للكاتب الذي يذكر ( السادة القراء ) بحقيقة هم ( أو بعضهم ) غائبين عنها ، وعن الكاتب كذلك ـ وإن كان هذا لايضعف من أهمية وجدية المقال / المقالات التي عودنا عليها الكاتب . الأساس بالموضوع أن المندسين بمهمات قومية والنفعيين ألخ .. ، قد يكونون غلبوا على ـ مايمكن إعتبارهم ـ ممثلين للشعب المذبوح بشكل بناء ، وهذا التيار هو الذي أصاب به الكاتب سواء بقصد أم بغير قصد . يعني تأكيد المؤكد وتحصيل الحاصل . الأمر الأهم بالموضوع هو تغييب الموضوع الإنساني ( واللاإنساني كذلك ) عن الساحة .

    الأربعاء 23 تموز 2014 12:14 ص

  6. Alternate text11

    المخلِّص حسب ألإرث العسكري في سورية لا يعدو عن كونه عسكري يقود إنقلابا عسكريا مدفوع الثمن مسبقا.

    الأربعاء 23 تموز 2014 3:37 ص

  7. Alternate textحازم

    لا يمكن أن يكون أحد ****** (نجوم) هم بناة دولة سورية، لأن الشعور الغالب لديهم هو الإصرار على العصبية ***** (نجوم) طيلة خمسين سنة خلت. قال لي صديق أراد أن يقابل رئيس التيار وهو أنت، وإذا به يفاجأ بأنك أرسلت مندوبا عنك من دمشق ليجري المقابلة، الطريقة الفوقية إياها التي تعودنا عليها من رئيس تيار بناء الدولة السابق ووريثه. أنتم لم تعودوا تصلحون لقيادة تيار دولة، لأن عصبية النظام السابق استهلكتم بندائها، وأنتم بأنفسكم استجبتم لها بحجة ما يسمونه حماية ***** (نجوم)، وهو ما أساء لكم من خلال الكثير من التصرفات التي مارسها المعتزلة في الجبال بحجة ما أسموه حماية الدين المكتوم. لم يكن في يوم من الأيام هناك دين مكتوم، الدين هو لنشر الفضائل والتعامل القويم الصادق مع الناس، وكلما مارس الدين انفصالا عن الناس انقطعت صلته بهم مثلما قال عنها الجاحظ: العزلة جبل عال تريك قمته الناس صغارا. وهم بالتالي لا يكادون يروك. وصاحب العزلة يكتسب طباعا وأفعالا مركبة تودي به إلى المهالك والعنف ومن ثم الضياع، لأن طبائع العزلة قاسية وشديدة، خاصة إذا ظن ممارسها أنها محمية من قبله وهو لا يعرف مكنوناتها.

    الأربعاء 23 تموز 2014 7:44 ص

  8. Alternate textحازم

    لا يمكن أن يكون أحد النصيريين (نجوم) هم بناة دولة سورية، لأن الشعور الغالب لديهم هو الإصرار على العصبية النصيرية (نجوم) طيلة خمسين سنة خلت. قال لي صديق أراد أن يقابل رئيس التيار وهو أنت، وإذا به يفاجأ بأنك أرسلت مندوباً عنك من دمشق ليجري المقابلة، الطريقة الفوقية إياها التي تعودنا عليها من رئيس تيار بناء الدولة السابق ووريثه. أنتم لم تعودوا تصلحون لقيادة تيار دولة، لأن عصبية النظام السابق استهلكتكم بندائها، وأنتم بأنفسكم استجبتم لها بحجة ما يسمونه حماية النصيرية (نجوم)، وهو ما أساء لكم من خلال الكثير من التصرفات التي مارسها المعتزلة في الجبال بحجة ما أسموه حماية الدين المكتوم. لم يكن في يوم من الأيام هناك دين مكتوم، الدين هو لنشر الفضائل والتعامل القويم الصادق مع الناس، وكلما مارس الدين انفصالاً عن الناس انقطعت صلته بهم مثلما قال عنها الجاحظ: العزلة جبل عال تريك قمته الناس صغاراً. وهم بالتالي لا يكادون يروك. وصاحب العزلة يكتسب طباعاً وأفعالاً مركبة تودي به إلى المهالك والعنف ومن ثم الضياع، لأن طبائع العزلة قاسية وشديدة، خاصة إذا ظن ممارسها أنها محمية من قبله وهو لا يعرف مكنوناتها.

    الأربعاء 23 تموز 2014 8:42 ص

  9. Alternate textAhmad Hejazi

    مقال مهم وألقى الضوء على سبب رئيسي من الأسباب التي أدت إلى وأد الحراك الثوري ومنعه من التبلور والارتقاء إلى مستوى ثورة متكاملة.

    الأربعاء 23 تموز 2014 9:17 ص

  10. Alternate textد.نصير شيشكلي

    سيد لؤي من حديثك أجبت أنك ابتعدت عن المفاوضات لاقتناعك بسوء نية الحكام وللأسف الشديد كما ذكرت أن المعارضة ليست مخلصة وإنما جماعة ***** تستغ الفرصة للغنيمة وهذا مرضنا السوريين وحتى العرب بتكلم بالوطنية فقط للدعاية ولا يهمنا شعبنا ولا وطننا والسنين الثلاثة أثبتت للأسف الشديد جشع المستغلين من كل ناحية والتكاليف يدفعها الشعب المسكين للأسف هدمت سوريتنا وتشرد وذل شعبنا والسبب نحن ومن يعتبر نفسه أخ وصديق ومسلم فالسلام على العرب والإسلام، لو نأخذ مثل إسرائيل بحرب غزة مقتل 28 جندي إسرائيلي فقط أقام الدنيا على الحكومة ونحن نقتل شعبنا بالآلافات ونعتبرهم إرهابيين

    الأربعاء 23 تموز 2014 11:55 ص

  11. Displaying results 1-10 (of 12)
      < 1 2  >