|   

النسخة: الورقية - دولي

يبني المخرج هادي زكاك وثائقيه المتميز «درس في التاريخ»، اتكاءً على الحالة اللبنانية، وتعقيداتها، ذلك أن الواقع المتناقض بقوة، يفرض سؤالاً خطيراً خلاصته: كيف يمكن كتابة التاريخ في بلد يفتقد الحدّ الأدنى من التوافق ما بين مكوّناته التي تتفارق في رؤاها إلى حدّ أن من الصعب العثور على القليل من المشتركات في ما بينها، ليس على صعيد الراهن فقط، بل التاريخ نفسه، بما فيه من أحداث وشخصيات؟

يأخذ زكاك مشاهدي فيلمه إلى مسارب وعرة تماماً، لا تبشّر بالكثير من الخير، سواء على مستوى الأفراد أم البلد ككل، لا سيما أن الحوامل المضمونية تقوم على مجموعة من الشباب والصبايا الذين لا يتردّدون في الإفصاح عمّا يؤمنون به، كلّ وفق مبادراته واستقصاءاته الخاصة التي قام بها، أو نتاج التربية المنزلية والمدرسة التي نشأ عليها، أو تأثيرات المحيط الاجتماعي التي خضع لها، بما فيها من الطائفي والمذهبي والسياسي والحزبي.

يظهر وثائقي زكاك أن لا إمكانية لكتابة تاريخ واحد، لبلد من المُفترض أنه واحد، وذلك في شكل يدلّ بوضوح على الوعي الكامن لدى أجيال شابة، يرتهن المستقبل بين يديها، ويتعلق مصيره على ما يمكن أن تقوم به غداً، لنقف على كارثة أنها (هذه الأجيال)، تدور لائبة في مرحلة ما قبل وعي الانتماء للوطن، بمعنى الدولة الذي ينبغي أن يتساوى الجميع بصفتهم «مواطنين» بمعزل عن الجنس واللون والعرق والدين والطائفة والمذهب.

يرصد هادي زكاك فيلمه الوثائقي «درس في التاريخ» الذي حقّقه لمصلحة قناة «الجزيرة الوثائقية»، عام 2009، للحالة اللبنانية. والأكيد أنه لم يكن يعلم أن موسم «الربيع العربي» سيهلّ خلال أقل من عامين، لنكتشف أن الأمر لم يكن وقفاً على الحالة اللبنانية التي كانت وحيدة وظاهرة وفاضحة حينها، بينما كانت ثمة جمرات تتوقّد تحت رماد ما كان يمكن أن نسميه «السلام»، و «المواطنة»، و «التعايش»، في غير بلد عربي، مجاور أو بعيد، على السواء.

يدور كأس «الربيع العربي» على غير بلد عربي، لنكتشف خلال سنوات معدودات، لم تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، ما لم يقله هادي زكاك في وثائقيه البديع الصناعة، والعميق الرؤية. فإذا كان من العصيّ على اللبنانيين، وفق «درس في التاريخ»، التوافق على كتابة صفحة واحدة من تاريخهم، القريب والمنظور، فقد بات من العسير اعتبارهم الوحيدين في هذا المجال، حتى وإن كان لهم قصب السبق فيه!

لنتخيّل أن هادي زكاك، عزم اليوم، أو غداً، على تحقيق وثائقي «درس في التاريخ»، في سورية، أو مصر، أو العراق، أو فلسطين، أو ليبيا، أو اليمن... ترى هل سيختلف ما سيقوله لنا حينها؟ وهل سيجرؤ أحد على القول إن التاريخ، في هذا البلد أو ذلك، ما زال هو ذاته الذي جرى التعارف عليه، سواء بالقسر أم بالوهم؟

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available