|   

النسخة: الورقية - دولي

بانضمام اليمن إلى ليبيا وسورية بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء، يكون الربيع العربي قد انقلب خريفاً كاملاً. بعد خمس سنوات من بداية شرارة الربيع العربي، لماذا فشلت معظم دول الربيع كمصر وسورية وليبيا واليمن، في إنجاز عملية التحوّل السياسي باتجاه بناء نظام ديموقراطي وليبرالي يحقق تطلعات الشباب، الذين كانوا في طليعة التظاهرات المليونية الحاشدة التي ملأت شوارع العواصم العربية؟ لماذا فشل التحوّل الديموقراطي في هذه الدول على رغم نجاح عملية التحوّل في مناطق أخرى من العالم، كدول أوروبا الشرقية في تسعينات القرن الماضي، وأميركا اللاتينية في ثمانيناته؟

لماذا فشلت دول الربيع في التحوّل من أنظمة عسكرية أو تسلّطية الى أنظمة ديموقراطية، وبدلاً من ذلك تكاد هذه الدول جميعها تسقط إن لم تكن قد سقطت بالفعل، في براثن حرب أهلية من الصعب التكهّن بنهايتها أو النتائج التي ستؤول إليها؟ هل ستعاد هذه الدول إلى أفخاخ حكم عسكري كما في مصر، أم ستتحول إلى دول فاشلة تعمّها الفوضى وغياب كامل لمؤسسات الدولة (اليمن وسورية وليبيا)؟

في الحقيقة، هناك أسباب عدة تفسّر هذا الفشل، وتدلّ عليه، وهذه الأسباب لا تنبع أبداً من خصوصية المنطقة العربية وعدم تشابهها مع مناطق أخرى من العالم، وإنما تنبع من مقومات الدولة العربية الحديثة التي حكمت في تلك البلدان.

كان ستيفن ليفتسكي قد ميّز في كتابه الشهير «التسلطية التنافسية»، بين أنواع مختلفة من الأنظمة التسلّطية التي تحكم حول العالم، فهناك أنظمة تسلّطية لكنها تتيح حداً أدنى من التنافسية في الانتخابات ووسائل الإعلام والتعددية الحزبية. ربما يتم تزوير نتائج الانتخابات، أو يتعرض المعارضون السياسيون لاعتقال دائم ومستمر، لكن هناك درجة من الليبرالية في التعامل مع المعارضة وفي إدارة المشهد السياسي، وهناك أنظمة تسلّطية أطلق عليها لقب «مهيمنة»، أي أن نتائج الانتخابات إذا كانت تحصل فيها انتخابات، تكون معروفة مسبقاً، ولا وجود للتعددية الحزبية أو الإعلامية فيها. في النموذج الأول من الأنظمة التسلطية، التنافسية تكون احتمالية التحوّل باتجاه نظام ديموقراطي أعلى بكثير، في حين تكون احتمالية تحوّل هذا النوع من الأنظمة التسلّطية المهيمنة الى نظام ديموقراطي ضعيفة للغاية، وحتى لو حدث التحوّل فإنه قد يقود الى نموذج من اللااستقرار في النظام السياسي أو العودة باتجاه الحكم العسكري.

ربما تصحّ نظرية ليفتسكي هنا على الربيع العربي، فشكل الأنظمة التسلطية التي حكمت في كل من سورية وليبيا، يعدّ النموذج الأكثر انغلاقا وشمولية في المنطقة العربية وربما العالم كله باستثناء كوريا الشمالية. أما في اليمن ومصر، فكان شكل النظام في عهدي علي عبدالله صالح وحسني مبارك تسلطياً وتنافسياً بكل تأكيد مقارنة مع سورية وليبيا، لكنه في الوقت نفسه أخذ سمات عائلية وكان خيار التوريث وارداً لولا اندلاع الثورة، كما أنه امتدّ لعقود طويلة وبالتالي كان متجهاً باتجاه تحلل مؤسسات الدولة وأخذها طابعاً زبائنياً وعائلياً، وهو ما يفتح الباب بالتالي باتجاه إضعاف المؤسسات وتقوية الشبكات ذات المصالح الخاصة داخل الدولة وخارجها، التي تجعل وظيفتها تأمين استمرار النظام الحاكم بأي شكل من الأشكال ولو على حساب المصالح الوطنية العليا، التي غالباً ما تختفي أو بالأصح تصبح محلّ وجهات نظر متباينة حولها، وتسود وجهة نظر العائلة الحاكمة في تحديدها لمعنى المصالح القومية العليا.

وهكذا، اصطدمت الثورات العربية في شكل قوي بهياكل مستبدة تعود إلى الأنظمة السابقة، مع عدم رغبتها في التحول نحو دمقرطة المؤسسات وإدارة عملية التحوّل بذاتها، كما جرى في مناطق أخرى من العالم كأوروبا الشرقية. بالعكس، أدت هذه الهياكل دوراً تدميرياً ليس في عرقلة عملية التحوّل فحسب، وإنما عبر المساعدة في خلق منظمات عسكرية غير حكومية كما حدث مع «داعش» في سورية والعراق، و»حزب الله» في سورية ولبنان والعراق، والحوثيين في اليمن. كل هذه الهياكل العسكرية، تم تشكيلها بشكل مباشر أو غير مباشر على يد هياكل الأنظمة السياسية السابقة بهدف عرقلة عملية التحوّل والانتقال، ولذلك انتقلت كل هذه البلدان الى مرحلة من الفوضى العسكرية وليس السياسية فحسب، وهذا ما يفتح الباب واسعاً لدخول هذه البلدان الى الحرب الأهلية لتفتيت بناها الاجتماعية الضعيفة أصلاً، والمكوّنة من انتماءات قبلية وطائفية ما قبل دولتية.

العامل الأخير الذي أدى دوراً في فشل عملية التحوّل في دول الربيع العربي، هو الافتقاد الى مؤسسات إقليمية تقود أو على الأقل ترعى عملية التحوّل كما جرى مع الاتحاد الأوروبي في أوروبا الشرقية، فجامعة الدول العربية مؤسسة تقليدية لا تحكمها مؤسسات ديموقراطية أو قانونية، وهي أصلاً ليست معنيّة بدفع هذه الأمور فضلاً عن فرضها كوقائع سياسية على الأرض، وبالتالي تركت كل بلد من بلدان الربيع العربي يأخذ مساراً خاصاً وربما كانت تونس استثناء له مقوماته الخاصة التي ربما نتحدث عنها في ما بعد، بينما تبقى دول الربيع العربي الأخرى كسورية وليبيا واليمن ومصر، تمر بعملية التحوّل عبر التجريب بالنسبة الى نخبها السياسية المعارضة، وهذه العملية أكثر صعوبة في تردّد المجتمع الدولي في دعمها السياسي، حتى سمح لعملية التحوّل هذه أن تنزلق إلى صراع مسلّح وربما حرب أهلية، وللأسف تبدو الحقيقة المرة اليوم أن الحرب الأهلية هي الخلف الطبيعي لطبيعة الأنظمة التسلّطية التي حكمت بلداننا العربية لعقود طويلة من الزمن.

 

 

* كاتب سوري وأستاذ زائر في جامعة كولومبيا - نيويورك

This article has been published at alhayat.com. Unauthorised replication is not allowed.

للكاتب Tags not available
 
 
  1. Alternate textقراط اسعف

    السؤال هو هل كان هناك ربيع عربي، حتى نقول قد فشل؟

    الخميس 19 آذار 2015 7:32 م

  2. Alternate textaymen dalati

    ثورات الشعوب العربية كانت ستنجح جميعها مهما كان نوع أنظمتها الشمولية، فجل النظام العربي الرسمي التقليدي لا يرى أي شكل من أشكال المشاركة الشعبية ولا يقبل بها ولا حتى بالحد الأدنى, وجميعها هيكل دولة ومظهر وطن بلا جوهر متين, لكن لعبة الأمم قررت لنا الفوضى الهدامة وقد تفاجأت بثورات شباب العرب , فمنعت عنها سبل الدعم وطريق النصر وتركت الباب مفتوحا لدعم خارجي عسكري وأمني على الأرض للسلطات العربية وعطلت منابر الأمم المتحدة.

    الخميس 19 آذار 2015 7:47 م

  3. Alternate textبشرى خير

    الربيع العربي والسم الدولي- الربيع بحاجه الى ماء نسقي به لكن تفاجئنا ان العالم سقانا السم ليموت ربيعنا -وما هذه النظريات الحقوقيه للانسان الا حبوب مهدئه لتسيير مصالحه - والان انكشف كل شئ ماذا انتم فاعلون - هل ستعودوا الى القفص ام لديكم طريق جديد والخيار لكم - هل انتم امه تستحق الحياة ام ان الحياة ستسحقكم

    الخميس 19 آذار 2015 9:36 م

  4. Alternate textشيركوه الأيوبي

    ينسى الأستاذ الزائر في جامعة أمريكية الدور ***** الذي لعبته أمريكا في الفوضى العربية لتحقيق مصلحتين أساسيتين ذكرهما أوباما وهما الحفاظ على أمن اسرائيل واستمرار تدفق النفط. النموذج الذي يهدف إليه الشباب العربي سيكون خطرا ووبالاً على هذين الهدفين ولذلك. كان السعي الأمريكي لتدمير الدول وخلق التطرف وتمزيق المجتمع. ألم يكن وزير الدفاع التونسي المستتر هو اللاعب الثابت في فترة بن علي وما بعدها لحين تسليم الدولة للسبسي . وعندما دمر حلف الناتو ليبيا وتركها للجماعات المتصارعة ، وماذا عن المجلس العسكري المصري الحاكم الذي ترك مبارك يتهاوى وأسقط مرسي وأعاد حكم الفرد. وكذلك الجيش اليمني الذي سلّم شؤونه للحوثيين وهرّب الرئيس لتقسيم اليمن بين شمال وجنوب وقاعدة. وماذا عن تفرج أمريكا على الشعب السوري وهو يُدمر تدريجياً لصالح الفرعون وإيران . الهدف هو دمار الشعب العربي وآماله

    الجمعة 20 آذار 2015 1:11 ص

  5. Alternate textsaleh

    الربيع العربي فشل لأنه لم ينم في المجتمع العربي. لقد ترعرع في إستنتاجات المختصين في الشرق من مراكز البحوث في أمريكا و ما بنته من مراكز في الشرق ألأوسط. قطر كانت الحاضنه له, ولاتزال تدفع ألأموال في سوريا لتزهر الثورة. أيضا, هناك فرق بين أوروبا الشرقيه و المشرق العربي, ذلك أن الناس في شرق أوروبا يريدون الديموقراطية ولا يألون جهدا لتوطينها في مجتمعاتهم. الناس في المشرق العربي لم يعلموا "بالربيع", ولم يروا المطر أو تورم الأرض بالحياة قبل الربيع. وعندما تفتحت قريحة المختصين في مراكز البحث في الدوحه [وألإخوان] وَوُجِه "الحدث" برفض الأبنية الإجتماعية ألقائمه.

    الجمعة 20 آذار 2015 3:40 ص

  6. Alternate textأبو لاوند

    ***** ***** الثورة لم تفشل ومازالت مستمرة كفكرة وبرنامج تغييري وارادة تحول نحو الديمقراطية ودفن الاستبداد وبأشكال متعددة بل تلكأت وقد تطول ومن فشل هو - المعارضة - التي ظهرت كالفطر بعد نحو عام من قيام الثورة وفي مقدمتها ( المجلس الوطني السوري )بقيادة الاخوان المسلمين ومن سار في ركابهم **** **** وكأن الثورة لا تحتاج الى مناضلين متمرسين في مواجهة النظام بل الى أصحاب شهادات جامعية ؟؟؟؟ومن فشل هو الاسلام السياسي بكل أصنافه من الاخوان الى داعش مرورا بالقاعدة والمسميات الأخرى شعبنا وثورتنا بأمس الحاجة الى تقييم وتحليل ومراجعة بالعمق لتفادي الأخطاء والخطايا وتجاوز المعارضات الأيديولوجية والطموحة المتسلقة الباحثة عن رواتب وحياة مترفة والاتيان بقيادة سياسية عسكرية كفوءة لاعادة بناء الثورة عبر هيكلة تشكيلات الجيش الحر وتنظيم صفوف الحراك الثوري الوطني العام .

    الجمعة 20 آذار 2015 4:41 ص

  7. Alternate textFaris AMIN

    Its a matter of opinion,those who instigate and nurtured and behind the scene encouraged the Arab springs,feels that it is a success,in a sense that all Arabs countries are destroyed culturally,politically,and morally.However,for the crowds who believe in the Arab spring declared motto,think it did fail.The Arabs countries and their power is gone for long long time,and that what it all about.Thank you.

    الجمعة 20 آذار 2015 6:30 ص

  8. Alternate textسميرة سعيد

    الربيع العربي فشل بسبب فشل الرهان الذي وضعته الشعوب العربية على مثقفيها ومفكريها ممن حضوا هذه الجماهير على الثورة ووعدوهم بالمن والسلوى ووثقت الجماهير بهؤلاء المثقفين ثم خاب املهم فيهم بعدما تبين ان هؤلاء المثقفين **** *** بكل ما في الكلمة من معنى

    الجمعة 20 آذار 2015 8:03 ص

  9. Alternate textحافظ نعمان

    في ١٨٤٨ عرفت أوربا وبيعها الذي اسمته ربيع أوربا وبقيت تحت وطأة الثورات التي اجتاحت القارة الأوربية واستمرت لأربع سنوات،لكن ومع تنامي دور القوى اليسارية وخاصة الشيوعية منها، أدرك اليمين الأوربي خطورة تنامي القوى اليسارية ، فما كان منه إلا ان أعاد ترتيب وضعه الداخلي واسترجع علاقاته السابقة مع القوى التقليدية وجنرالات العسكر الأوفياء لأنظمة الحكم السابقة، وهكذا بداء الربيع الأوربي يتهاوى شيئا فشيئا وبدأت الأنظمة السابقة تسترد سطوتها، حتى كان عام١٨٥٢ الذي شهد تحولا دراميا لثورات الربيع الأوربي. فهل كان ذلك نهاية التحولات الأوربية ؟، الجواب هو لا ، لان الثورات متى اكتسبت وعيها بإمكاناتها التغيرية، تستمر في نشر وعيها وان بوسائط أخرى وهو ما يهيئ الظروف المواتية لتحقيق أهدافها الثورية. بمعنى آخر يتعذر علينا القول بان الربيع العربي قد وئد نهائيا وان ما نشهده في كل من العراق وليبيا وسوريا او اليمن إنما تعبر عن حالة الوهن الذي وصلت اليه المجتمعات العربية، وقد يكون ذلك صحيحا ،لكن ما يجب أخذه بالاعتبار هو ان الشعوب تتعلم من غيرها حتى وان حاولت أنظمتها حجب ذلك عنها وطريق الثورات أضحى سالكة أمامها .

    الجمعة 20 آذار 2015 8:59 ص

  10. Alternate textالشاعر مسعود / الجزائر

    السلام عليكم. أنظمتنا مغايرة لأنظمة الغرب، و خطأ زعماء الربيع العربي ذو الأزهار البلاستيكية، يكمن في العزل والفصل الكلي لأنظمة الحكم، فما كان منها إلا اجتثاث هذا الربيع و صبغ وروده باللون الحمر القاني خالي العبق. و خلق منظمات عسكرية غير حكومية يعود معظمها لإيران، وهم تحت مظلتها.السلام عليكم

    الجمعة 20 آذار 2015 9:40 ص

  11. Displaying results 1-10 (of 16)
      < 1 2  > 
مقالاتالأكثر قراءة